«سيكولوجية التمرد»!

تابعت بدهشة بالغة حالات التمرد حول العالم على مواعيد حظر التجول المفروضة فيها لمحاولة الحكومات كبح جماح تفشي مرض العصر «فيروس كورونا المستجد».

وإذا ما استثنينا المراهقين لطبيعة أعمارهم وبدايات تشكيل شخصياتهم وحاجتهم للفت الأنظار نحو حفلة دخولهم لعالم الرجولة، سنبقى أيضا مدهوشين ببالغين يتعمدون مخالفة القانون في محاولة وضيعة للاستهزاء بقوانين البلاد وتعريض حياة آخرين للخطر.

وسمعت أحدهم يقول مبرراً: لو أخذت جولة سريعة في خريطة التطبيق الهاتفي «سناب شات» سوف ترى بأم عينك العزائم والولائم والاستعراضات في كل مكان في محاولة لتبرير حالة سيكولوجية التمرد على ما يبدو.

وقد جمعني حوار مع شخص أخبرني شخصياً بأنه سيخرج لنزهة سريعة في حيهم السكني قبيل دقائق من سريان فترة حظر التجول!! سألته لماذا تحب مخالفة القانون؟ هل هي متعة؟ فقال بنبرة لم تخل من صراحة: أحب أن أعرف ما سيحدث لي مثلاً لو تجولت في «فريجنا» أي شارعنا السكني.

فقلت له القانون واضح إذا وقفت خارج سور منزلك أو زرت جارك سوف يلقى القبض عليك، وتبيت في مكان وضيع، ربما مع مجرمين، وتدفع مخالفة مالية بالآلاف. فشلت في إقناعه لكنه على ما يبدو شعر بالخوف وتراجع في اللحظة الأخيرة كما فهمت من اتصاله الهاتفي لاحقاً!

سألت أستاذ علم النفس بجامعة الكويت، د.سعود الغانم الفئة التي تستمرئ مخالفة السائد ودوافع ذلك السلوك، خصوصاً وأننا نراهم ليس في الشوارع فحسب بل في بيئات العمل. فقال إن «مخالفة السائد هو سلوك متأصل في صفتين من أربع نوعيات معروفة من شخصيات الناس».

الأول «العقلاني الذي يبحث عن معلومة نادرة وغير شائعة للآخرين ويتهمه البعض بأنه يخالف من أجل المخالفة ولكنه سوف يثبت لهم العكس».

‏وهؤلاء «يتبنون أحياناً آراء علمية أو دينية غير شائعة فيتشبثون فيها على اعتبار أنها أمر موجود». وبالفعل نجد تلك الفئة تخرج علينا بين الفينة والأخرى بآراء شاذة أو غير ناضجة من حيث هشاشة حجتها أو ربما استنادها على نقطة فرعية ومع ذلك يحاولون تصويرها ونشرها على الملأ!

أما النمط الثاني فهو كما وصفه «بالحرفي»، وهذه «الحالة تخالف باستمرار السائد في المجتمع، فهي تحب أن تكون تحت الأنظار ووسيلتها في ذلك مخالفة أنماط التفكير الأخرى» مثل «العقلاني» و«النظامي» و«المثالي».

ومن منا لا يعاني من هذه الفئة التي تنفر الناس ليس فقط من حواراتهم الاجتماعية بل حتى الافتراضية كما يجري في «مجموعة التواصل» عبر تطبيق واتس آب الهاتفي. فبعضهم يعتقد أن مهمته تنحصر في ممارسة دور المعارضة في «القروب» لكل من يدلي بدلوه! هنا لا يملك المرء سوى الهروب من تلك الأجواء «الاقصائية» المنفرة.

ونعود إلى د.الغانم الذي يرى أن هذا السلوك الشاذ عموماً ربما نراه أحياناً في «الغرابة الواضحة في ملبسه ومفرداته وتصرفاته». ولهذا السبب يعد الحل الأمثل مع هذا النمط معرفة «ماذا يريد من حاجات لكي نشبعها» ومن هذه الحاجات «الانتباه.. وإذا منح ذلك وفق المقبول اجتماعياً سينسجم معنا.. ونتمكن من احتوائه» لاسيما إذا بادلناه الأسلوب العقلاني نفسه.

هنا تذكرت شرطي المرور الذي يضطر إلى استخدام الميكروفون للطلب ممن يركن سيارته في مكان يعيق الحركة بالتحرك، وكأنه يحقق بذلك لذة في نفوس هؤلاء الذين يمارسون «سيكولوجية التمرد».

نتفهم كل ما سبق من تفاوت شخصيات والناس ويجب أن نعايش معها بسلام، ولو أن جميع الناس كانوا على شكل واحد لصارت الحياة مملة وخالية من التحديات. فنصف تحديات الحياة تكمن في معاناة التواصل مع الناس المختلفين عنا.

ولا ننسى أن هناك فئة ممن حولنا لديها درجة من درجات النقص، وحب الظهور، ليست مرتبطة بالعمر. وعليه سوف يمارس صاحبها مخالفة السائد أو هذه الحاجة بطريقة إيجابية أو سلبية على أمل أن يلتفت إليه الناس من حوله.

إذن التعامل المدروس مع كل من يمارس «سيكولوجية التمرد» هي عين الحكمة غير أنه من غير الحكمة ولا العقلانية أن نسمح لهؤلاء المتمردين بتعريض حياة الناس للخطر. خصوصاً في زمن تفشي وباء فيروس كورونا صار ينقض على أجهزتنا التنفسية في لحظة غفلة أو تهاون.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات