صلّوا في رحالكم

الحياة سلسلة من الأوجاع والمسرات.

في زمن المسرات يتساوى أغلب البشر، أما في زمن الأوجاع فتنكشف معادنهم، لذلك يقول المؤرخ الشهير ابن خلدون: «الناس في السكينة سواء، فإذا جاءت المحن تباينوا».

ونحن نعيش هذه الأيام محنة كبرى، ربما لم تشهد البشرية لها مثيلاً خلال العقود الأخيرة من تاريخها؛ تلك هي محنة ظهور وانتشار مرض كورونا المستجد، الذي تحول إلى جائحة خلال فترة وجيزة، الأمر الذي دعا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى استهلال خطاب لها الأسبوع الماضي بالقول إنه منذ توحيد الألمانيتين، لا بل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تاريخ سقوط ألمانيا تحت الاحتلال الأمريكي والروسي والفرنسي والبريطاني، وإجبارها على توقيع معاهدات الاستسلام المخزية إبان هزيمة قوات المحور، لم يواجه بلدنا خطراً داهماً كما هو الحال بالنسبة لفيروس كورونا المستجد.

هذا الإحساس بالخطر الداهم لم يكن مقتصراً على الألمان وحدهم، فالعالم كله اليوم يشعر بالرعب، ويسابق الزمن للسيطرة على انتشار المرض، ويلجأ إلى كل الحلول التي تساعد على تحقيق هذا الهدف.

يغلق الحدود، ويمنع السفر، ويعلق الدراسة، ويعطل العمل عن قرب، ويفعّل العمل عن بعد، ويحظر التجمعات، ويلغي الفعاليات، ويوقف المباريات الرياضية، ويدعو الناس إلى البقاء في بيوتهم، بل يمنعهم من الخروج منها بالقوة إذا استدعت الضرورة ذلك، ويعلن حالة الطوارئ، وينشر رجال الجيش في الشوارع والطرقات.

كل هذا لمواجهة عدو لا يُرى بالعين المجردة، فأي حرب هذه التي فرضها الفيروس على البشرية، والعالم ما زال يقف حائراً لا يعرف كيف يدير معركته معه، رغم كل المعارك التي خاضتها الممالك والدول عبر التاريخ، تلك التي قُتِل خلالها ملايين البشر، وشُرِّد الملايين، ودُمرِّت المدن والقرى وتحولت إلى خرائب وأنقاض؟!

لا شك أن الكثيرين تألموا لرؤية أماكن العبادة تغلق ويطلب من الناس أن يؤدوا عباداتهم في بيوتهم، والدراسة في المدارس والجامعات تُعلَّق، والطلبة يقبعون في بيوتهم، والمبتعثون للدراسة في الخارج يعودون إلى ديارهم.

كما تألموا وهم يرون المراكز التجارية تخلو من روادها بعد أن كانوا لا يجدون لسياراتهم مواقف فيها، والذين يعشقون السفر شعروا بالأسى وهم يرون المطارات تخلو من المسافرين والطائرات رابضة على المدارج لا تغادر أماكنها، والذين يحبون المتاحف والمعارض والمسارح ودور السينما عزّ عليهم أن يروا هذه الأماكن الأثيرة لديهم تغلق أبوابها في وجوههم تجنباً لانتشار العدوى بين روادها، والذين اعتادوا السهر في «تايم سكوير» و«الشانزليزيه» وغيرها آلمهم أن يروا هذه الأماكن الأثيرة لديهم تخلو من زائريها، والذين يعشقون التنزه حزّ في نفوسهم أن يروا المتنزهات مفتوحة أمامهم وهم لا يستطيعون ارتيادها.

وكان مؤلماً جداً رؤية الزهور يتم إتلاف حقولها في هولندا لأن أصحابها لن يتمكنوا من تصديرها بعد أن هبطت أسعارها ولم يعد هناك من يهتم بها.

إنها موجة من الكساد ألقت بظلالها على نفوس البشر، وأدخلتهم في حالة نفسية انعكست على سلوكياتهم وتصرفاتهم، وغيرت من عاداتهم الأسرية والاجتماعية، وألزمتهم بيوتهم، وفتحت أبواب المجهول أمامهم، في ظل الغموض الذي يحيط بتطور هذا الفيروس المتحرر من كل القيود، الذي اجتاح أكثر بلدان العالم تقدماً، وحول حواضرها إلى مدن أشباح، بعد أن كانت تضج بالحياة ليل نهار، يقصدها الناس من كل أنحاء الدنيا، فهل ثمة كارثة يمكن أن تنزل بالبشرية أكبر من هذه الكارثة التي لم يكن يتوقعها أكثر الناس تشاؤماً قبل أن يحل هذا الفيروس ضيفاً ثقيلاً مع انقضاء عام 2019 وحلول عام 2020 على الدنيا؟

في مثل هذه الأجواء تتناثر المعلومات هنا وهناك، وتتقاطر الأخبار من كل حدب وصوب، وتتساقط النصائح والإرشادات من الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فالكل يدعي الاطلاع على دقائق الأمور وخفايا الأسرار.

وفي مثل هذه الأجواء تنتشر الشائعات وتجد لها أرضاً خصبة تحت ظلال الخوف والفزع الذي يضرب أطنابه على النفوس ويقتلع منها الأمان. هنا تنكشف معادن البشر وتظهر صلابة النفوس أو هشاشتها، وهنا يصبح الالتزام بحب الوطن والحرص على مصلحته واجباً على فرد، لا فرق في هذا بين مواطن ومقيم على أرضه.

في مثل هذه الظروف يجب على البشر أن ينسوا خلافاتهم، وعلى الدول أن تنحي جانباً مصالحها الخاصة، لأن البشرية تتعرض للخطر، فالفيروس لا يفرق بين إنسان وإنسان أيًّا كانت جنسيته، ولا بين دولة ودولة أيًّا كان تصنيفها في قائمة الدول.

لقد آلم الناس أن يسمعوا المؤذنين في المساجد يضيفون إلى الأذان عبارة «صلوا في رحالكم» التي أمر بإضافتها الرسول، صلى الله عليه وسلم، عند المطر والريح والبرد الشديد، وفاتهم أن الخالق سبحانه وتعالى قد سمع نبيه يونس، عليه السلام، وهو يستغيث به في جوف الحوت واستجاب لدعائه.

صلوا في رحالكم وتيقنوا أن هناك خالقاً يراكم ويسمعكم أينما كنتم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات