تقييد حرية الناس للمحافظة على أرواحهم

في ظني أنها المرة الأولى في عالمنا المعاصر، التي تضطر فيها مدن وبلدان كاملة إلى العيش في عزلة كاملة داخل بيوتها خوفاً من تهديد وشراسة فيروس كورونا، الذي صار اسمه العلمي الجديد «كوفيد ١٩».

إيطاليا اضطرت في البداية إلى أن تعزل إقليم لومبارديا في الشمال، الذي انتشر فيه الفيروس، ولكن وبعد أن زادت شراسته، وصار يهاجم كافة أنحاء البلاد، فإن السلطات فرضت حظراً إجبارياً على المواطنين داخل بيوتهم، ولم تسمح بالخروج إلا للضرورة القصوى.

ما فعلته إيطاليا، سبق أن فعلته مقاطعة هوبي الصينية، وعاصمتها ووهان، منبع وبداية هذا الفيروس اللعين. وبسبب هذه السياسة القاسية والصارمة تمكنت الصين من السيطرة على كورونا في ووهان أولاً وبعض المدن المجاورة ثانياً، وصارت حالات شفاء المرض، أكثر للمرة الأولى من حالات الإصابة.

يشكو البعض من أنه ليس من حق السلطات سواء في الصين أو إيطاليا أو أي مكان، أن تجبر الناس على البقاء في بيوتهم، وأن ذلك يندرج تحت خانة الاعتداء على حقوق الإنسان وخصوصياتهم وحريتهم في التنقل والسفر والاختيار.

ولكن هؤلاء ينسون أن منظمة الصحة العالمية، وحينما قررت الأسبوع الماضي، اعتبار فيروس كورونا «جائحة»، تنتشر على نطاق واسع في العالم كله، فإنها تعطي لنفسها وللسلطات الوطنية في العالم أجمع حقوقاً طارئةً.

في الأحوال والظروف العادية، لا تستطيع أي سلطة أن تجبر مواطناً واحداً على البقاء في بيته، وعدم مغادرته لأي مكان، إلا لو كان لديها حكم قضائي نهائي في هذا الصدد.

ولكن في الظروف الاستثنائية مثل تلك التي نعيشها الآن، يحق للسلطات الوطنية في أي دولة أن تتخذ أي نوع من الإجراءات - مهما كانت صارمة - ما دام أن هدفها الرئيس هو الحفاظ على صحة وحياة المواطنين.

لم نسمع أو نشاهد مواطناً إيطالياً أو صينياً يشتكي من تقييد حرية تنقله أو سفره، لأنه يعلم أن هدف هذه الإجراءات، هو الحفاظ على سلامته، وصحته، بل حياته.

هناك بلدان، لم تتعامل من البداية مع الفيروس بالصورة السليمة والصحيحة، ولم تتخذ أي إجراءات صارمة، إلا بعد تفشي المرض، ما أدى إلى تحول بعض هذه الدول إلى بؤرة للفيروس، ووصل استهتار بعض الدول إلى السماح بدخول وخروج العديد من مواطني الدول المجاورة إليها، من دون رقابة ومتابعة صحية، والنتيجة هي انتقال الفيروس بصورة كبيرة إلى دولهم الأصلية!

النموذج الصيني والإيطالي رغم قسوته هو الأفضل لأنه يهدف للحفاظ على أرواح الناس ومنع هلاكهم. وأما نموذج الاستهتار وعدم الاهتمام فيقترب من ارتكاب جريمة في حق شعبه وشعوب الدول المجاورة بل تعمد نشر الفيروس في البلدان المجاورة.

أتصور أن بقية بلدان العالم عليها أن تدرس بعمق الطريقة التي تصرفت بها الصين وإيطاليا لمواجهة المرض، لأنها الأكثر نجاعة حتى الآن، هي طريق صعب جداً، ومكلف ومعطل للإنتاج، ومثبط لطبيعة الناس المحبة للحرية والانطلاق والتنقل والسفر، ولكن هدفها النهائي هو المحافظة على النفس البشرية.

وقرأنا عن دول أخرى أوروبية، تفرض غرامات مالية ضخمة بل السجن، لمن يسافر إلى دول مصنفة موبوءة مثل إيطاليا حتى لا يساهم في نقل المرض لبلده. فهل يعد ذلك تعدياً على حريات الناس ؟، المؤكد أن هذه الدول الأوروبية تصرفت بطريقة صحيحة لأن هدفها حماية مواطنيها وليس تقييد حرية التنقل وسفرهم.

على معظم الدول العربية أن تدرس ما حدث في الصين وإيطاليا، حتى لا نصل إلى لحظة نندم فيها، ونقول يا ليتنا فعلنا مثلهم. نحن الآن في غالبية المنطقة العربية، لم نصل إلى عدد كبير من الإصابات والحمد لله، وبالتالي علينا أن نفكر في كل الطرق التي تمنع انتشار الفيروس بصورة وبائية في منطقتنا العربية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات