أردوغان واللعب مع الكبار

ما حدث يوم الخميس الماضي في الكرملين لا يمكن قياسه أو وضعه تحت أي تقاليد دبلوماسية، ما حدث غير مسبوق في دبلوماسية القمم الدولية والعلاقات بين الدول مهما كانت طبيعة هذه العلاقات وأهميتها.

البرلمان التركي وتحديداً نواب الأغلبية من حزب العدالة والتنمية اعتبر أن ما جرى خلال عملية الاستقبال من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مكتبه للرئيس التركي رجب طيب أردوغان «إهانة» مقصودة من الرئيس الروسي على خلفية العلاقات المتوترة والحرجة، التي تمر بها العلاقة بين روسيا وتركيا، بسبب الأوضاع في سوريا والتدخلات التركية العسكرية في منطقة إدلب، في حين نظر خبراء في العلاقات الدولية إلى ما حدث بأنه رسالة شديدة اللهجة من بوتين إلى أردوغان فحواها «عدم اللعب مع الكبار» ومناطحة القوى الكبرى في مصالحها الاستراتيجية، ولم تكن الإشارة والدلالة السياسية هي الأولى في قمة أردوغان و«القيصر» يوم الخميس الماضي، بل سبقها إشارات ورموز تم تفسيرها سياسياً في قمم سابقة.

الغضب في البرلمان التركي ونواب وأعضاء حزب أردوغان وقع بعد تسريب فيديو من صحفية تركية للرئيس التركي، وهو يقف خارج مكتب بوتين ينتظر الإذن له بالدخول، وتعمد بوتين لإهانته أمام الوفد المرافق له، وتركه خارج المكتب لمدة دقيقتين عند باب القاعة قبل السماح له بالدخول للقاء بوتين، وأحدث هذه الإشارات جاءت من وكالة روسية حكومية، بثت تسجيلاً يظهر تفاصيل القمة الثنائية بين بوتين وأردوغان، والتي انتهت بإعلان وقف إطلاق النار في إدلب السورية، إذ يظهر التسجيل أن الرئيس التركي والوفد المرافق له، اضطر للانتظار مدة دقيقتين عند باب قاعة في الكرملين قبل السماح لهم بالدخول للقاء بوتين.

وظهر ضمن الوفد المرافق لأردوغان وزيرا الخارجية مولود جاويش أوغلو، ووزير الدفاع، خلوصي آكار، وهما أيضاً يبديان استياء وغضباً مكتوماً، نتيجة هذا الانتظار على باب بوتين.

وكان لافتاً أن الوكالة الروسية الحكومية عنونت التسجيل بعبارة ذات مغزى إذ كتبت «أردوغان ينتظر بوتين تحت صورة سوفوروف»، وهو قائد سابق في الإمبراطورية الروسية، وخاض حروباً عدة ضد العثمانيين في منتصف القرن الثامن عشر، وحقق فيها الانتصار.

داخل قاعة الاستقبال كان واضحاً خلوها من المقاعد ما عدا أربعة مقاعد لبوتين وأردوغان وللمترجمين المرافقين، فيما ظل الوفد المرافق واقفاً أسفل تمثال الإمبراطورة الروسية كاترينا أو «كاترين العظيمة» القيصريّة التي تحالفت مع حلفاء كثر لوقف «مد العثمانيين»، وخاضت حروباً معهم في 1768 وانتزعت جزيرة القرم في 1771. وينسب إلى «كاترين العظيمة» مقولة شهيرة مفادها أن «سوريا الكبرى هي مفتاح البيت الروسي»، في المنطقة.

الرسالة كانت واضحة رغم أن الكرملين لم يعلق على مضمون الفيديو وتسريبه، فهل كان إجبار أردوغان على الانتظار متعمداً أم لاعتبارات بروتوكولية وما هي تلك البروتوكولات التي تترك رئيساً ينتظر على باب قاعة رئيس آخر؟!

الذهنية الروسية في التعامل لا تترك شيئاً للصدفة أبداً فهي ذهنية أو عقلية قيصرية امتدت للحقبة السوفييتية وصولاً إلى روسيا القوية، الآن تدرك جيداً كل تصرف وكل تفصيل وما وراءه من رسائل وإشارات سياسية مبطنة من مواقف معينة وصولاً للنتيجة السياسية.

ويبدو أن التاريخ هو الإشارات وقناديل الهداية للسياسة الروسية في المنطقة، فقد خاضت روسيا 15 حرباً للوصول إلى الشواطئ الدافئة على مدى ثلاثة قرون ضد الإمبراطورية العثمانية حتى تحقق لها الهدف.

وعندما تستدعي روسيا بوتين التاريخ بتمثالي سوفوروف وكاترينا فإنها توجه رسالة قديمة جديدة لتركيا العثمانية في إهانة السلطان العثماني حتى لا يفكر في ترسيخ نفوذه في منطقة يعتبرها بوتين استراتيجية لبلاده، وموطئ قدم لقواته في المياه الدافئة، فالجيش الروسي وضع قدمه في البحر المتوسط مقابل السواحل السورية وأرسل عبر مضيق الفوسفور الفرقاطة «غريغوروفيتش» والفرقاطة «ماكاروف»، وهي أسماء تنكأ جراح التاريخ لدى تركيا، لأنها مرتبطة في ذاكرة الأتراك بالحروب العثمانية ـ الروسية، بما يعني أن هناك كبيراً واحداً في تلك المنطقة وممنوع اللعب معه!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات