أزمات العراق تتعمّق وتزداد حدة

أخيراً وبعد فشل مجلس النواب العراقي للمرة الثانية في عقد جلسة منح الثقة قدم المكلف بتشكيل الحكومة محمد توفيق علاوي اعتذاره عن المهمة في نهاية مدة الثلاثين يوماً المنصوص عليها دستورياً، التي لم نشهد خلالها عجز الكتل السياسية وتخبطها فحسب، بل شهدنا عمق الشروخ في أعمدة وسقوف العملية السياسية البائسة التي صنعت عراقاً غريباً كل الغربة عن أبنائه.

الطبقة السياسية الحاكمة المفترض أنها جاءت بأصوات الناخبين تدير ظهرها بالكامل لهؤلاء، بعد أن أسقطوا حكومة عبد المهدي وحكومة خليفته علاوي قبل أن ترى النور وتضع نفسها في مواجهتهم، فهي إذ تمعن، عبر شتى أساليب القمع والتنكيل، في إنهاء حضورهم الغاضب في الساحات والشوارع تعمل على المستوى السياسي على إفراغ مطالبهم من محتواها عبر إعادة إنتاج تجربة صعود عبد المهدي لسدة الحكم.

حرص علاوي على ضبط إيقاعات تحركاته مع حركة الشارع في حديثه المباشر عقب تكليفه بتشكيل الوزارة مبتعداً في تنفيذ مهمته عن العملية السياسية القائمة أشخاصاً وأساليب وسط تشكك مشروع بصدقية ذلك.

فقد كان نائباً في البرلمان ووزيراً مرتين، وهو بالتالي لم يكن ممن خارج العملية السياسية في الماضي، وهو ليس ممن خارجها في الحاضر لأنه مرشح كتلتي الفتح وسائرون، كما كان الحال مع رئيس الوزراء المُقال الذي سبقه، وهو بالتالي ليس مرشحاً مستقلاً، ومن المشكوك جداً أن تكون خياراته في ترشيح وزرائه مستقلة.

وجد علاوي نفسه في موقف محرج، فليس أمامه الكثير من الخيارات إن كان هو من يختارها، والوقت لم يعد في صالحه، ورغم حرصه على نيل المنصب الرفيع إلا أنه وجد أن ثمن ذلك لا يستطيع تقبله، فالخضوع لإرادة الكتل السياسية والأحزاب كي يحصل على ثقتها يجعله الخاسر الأكبر، لأنه سيكون أسيرها وتصبح حكومته أضعف من حكومة سلفه، أما في حالة رفضه فسيخسر فرصة حصوله على المنصب إلا أنه يسترجع بعض ما خسره أمام جمهور الانتفاضة.

بدأت الاعتراضات بوجه علاوي تتصاعد قبل أن يتعرف أحد على برنامجه السياسي وعلى كابينته الوزارية، وتزايدت الشكوك حول مدى أهليته لرئاسة الوزراء، فقد رفضه الشارع منذ البداية لعدم توافر المواصفات، التي وضعت لمن يشغل المنصب في شخصه، وخسر لاحقاً تعاطف معظم الكتل السياسية، بسبب نهجه في تجاهلها والحرص على التكتم على جميع اتصالاته واختيار جل كابينته من عراقيين مقيمين في الخارج.

علاوي تصور أنه بذلك يرضي الشارع ويكسب تعاطفه، فقد أهمل الثوابت التي كان مأخوذاً بها في المرات السابقة من قبل من سبقوه كونهم مكلفين بتشكيل الحكومة، وهو ما يتعلق بمبدأ التوافق بين مكونات المجتمع العراقي، الذي أصبح ممارسة تقليدية على الرغم من أن الدستور لم ينص عليها.

علاوي لم يتصرف خلال الثلاثين يوماً كونه مكلفاً بتشكيل حكومة مؤقته تعمل على خلق بيئة انتخابيه سليمة وفق استحقاق زمني سقفه لا يتجاوز موعد انتخابات مبكرة، فقد تجاهل ذلك، ولم يكن البرنامج الوزاري الذي وضعه يتفق مع هكذا الهدف.

الصعوبات التي اعترضت علاوي ستقف بوجه خليفته وهي تنذر بتعميق الشروخ في الوسط السياسي، وتدفع بالعراق نحو طور من الغموض الشديد بمآلات الأحداث الملتهبة فيه، فالانتفاضة قد دخلت شهرها السادس ولم نشهد بوادر تغيرات في الرؤى.

فالأزمة الحقيقية ليست حول هذا المرشح أو ذاك، بل بين الشارع الغاضب الذي نزع الشرعية عن الطبقة السياسية ومؤسساتها التي ترفض الانصياع لإرادته. وفي ضوء ذلك من المرجح أن تلجأ هذه الطبقة إلى التوافق «لا دستورياً» تحت ضغوطات إقليمية شديدة من الجار الشرقي، أكبر المتضررين من انتفاضة الشارع العراقي، كما حصل في حالة عبد المهدي، وذلك لتوحيد الموقف بوجه الانتفاضة والتفرغ لمواجهتها، إلا أن ذلك ليس سوى حل يزيد من لهيب الحرائق المندلعة0

فالأوضاع في العراق لم تعد تتقبل أنصاف الحلول ولقاءات منتصف الطريق وإمساك العصا من المنتصف في ما يتعلق بسيادة البلد، فقد وضعت الانتفاضة حداً لذلك، وأصبح هناك إلزام وطني لصالح الانحياز نحو تغيير حقيقي في البنى العقائدية والسياسية يُستعاد في أطرها العراق بالكامل إلى أهله وذويه بلا أية شروط أو قيود وسطية.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات