الحديث عن فض الاحتكار

النظم الاقتصادية الرأسمالية جعلت من المنافسة شرطاً أساسياً لنجاح السوق في توزيع الموارد بين المنتجين والمستهلكين وتقوية الدولة ذاتها بما تحصل عليه من ضرائب وفوائد عناصر القوة في الاقتصاد والسلاح التي تجلبها الصناعة والتجارة والخدمات.

النظم السياسية هي الأخرى باتت تعتمد على المنافسة سواء كان بين الأفراد أو الأحزاب على جلب الأصوات والحصول على المقاعد التي تتيح صوتاً سياسياً في عملية التشريع.

ولذلك فإن معضلة هذه النظم الاقتصادية أن وسائل حماية المنافسة كثيراً ما تكون موضع تساؤل أولاً لأن الشركات التي تنمو بسرعة سرعان ما تصبح من الكبر بحيث تكون عصية على الكسر والانقسام إلى شركات أصغر؛ وثانياً أنها كثيراً ما تصبح مرتبطة بشدة بالأمن القومي بحيث يصبح استمرار المنافسة طريقاً إلى بث الضعف في القدرة القومية.

الأمر أصبح أكثر تعقيداً مع التحول الجاري في تركيبة الرأسمالية العالمية وعلاقاتها بقوى الإنتاج الرئيسية في العالم المعاصر. وعلى سبيل المثال فإن الشركات التقليدية أو ما باتت تقليدية والمعتمدة على النتائج التكنولوجية للثورة الصناعية الثانية باتت في طريقها إلى الفناء.

شركة جنرال موتورز على سبيل المثال، والتي كان يقال عن مصالحها أنها تمثل مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، انحدرت مكانتها العالمية وأخذت في التراجع منسحبة مغلقة مصانعها في استراليا ونيوزيلاند وإندونيسيا وتايلاند، في الوقت الذي فشلت فيه حتى الآن في دخول أسواق السيارات الكهربائية أو التي تسير بلا سائق لأن شركات أخرى مثل تسلا نمت على أكتاف قوى إنتاج الثورتين الصناعيتين الثالثة والرابعة.

ولكن المعضلات تكون أكثر في السياسة لأن «الدولة القومية» تصير احتكاراً جباراً كثيراً ما يتحول نتيجة احتكاره إلى حالة من الضعف والشلل.

راهام إيمانويل العمدة السابق لمدينة شيكاغو والمساعد السابق للرئيس الأمريكي باراك أوباما كتب مقالاً في ٢١ فبراير المنصرم سماه: دول المدينة الجديدة، كيف تصنع الحكومات المحلية السياسة الخارجية، فيه دعوة لكي تعود مرة أخرى نظم الدولة المدينة مثل تلك التي قامت في أزمنة قديمة في أثينا واسبرطة.

كتب إيمانويل ما يلي: الدول القومية لا تعكس المستقبل. بدلاً من ذلك، فهي في حالة ضمور وتراجع. حتى كتابة هذه السطور، كانت هناك عشر حكومات وطنية في أوروبا حكومات من الأقليات، مع وجود بضع حكومات أخرى في الطريق. عندما تواجه هذه المشاكل، فإن هذه الحكومات سوف تنتج الجمود والركود.

الوضع ليس أفضل بكثير في الولايات المتحدة، التي عندما لا يديرها حزب الأقلية، لا تزال مستقطبة إلى حد الشلل بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وفي العقدين الأخيرين، تم توقيع مشاريع القوانين الرئيسية فقط عندما يسيطر حزب سياسي واحد على السلطتين التنفيذية والتشريعية.

ما يقوله الرجل حقاً هو أن الواقع يدفع إلى واحد من خيارين كلاهما مر: إما الضعف والعجز عن اتخاذ القرار، أو احتكار السلطة السياسية من قبل حزب واحد أو يقوم الرئيس من خلال قرارات تنفيذية بالحكم وحده؛ وكان ذلك واحداً من أهم ملامح حكم باراك أوباما ودونالد ترامب.

في الاقتصاد تبدو القضية لا تقل صعوبة، فالشركات الجديدة المعتمدة على نتائج الثورتين الصناعيتين الثالثة والرابعة في طريقها أولاً لكي تكون كبيرة للغاية بحيث تستعصي على الكسر؛ وثانياً أنها باتت متكاملة بشدة مع الحكومات سواء كانت الحكومة الأمريكية أو الصينية بحيث يصعب أن تكون مفيدة لكلتيهما في نفس الوقت.

فلأول مرة في التاريخ تتجاوز القيمة الاقتصادية لشركات تريليون دولار وهي حتى الآن «آبل» و»أمازون» و»مايكروسوفت» و»الفابت أو جوجل»، وفي الطريق تسير الآن «فيس بوك».

هذه الشركات أكبر من حيث القدرة الاقتصادية من غالبية دول العالم، وبعضها في قوته أكبر من دول متوسطة القوة؛ وهي من العالمية بحيث يصعب الضغط عليها بينما هي منتشرة بين دول متناقضة في أهدافها.

السائد الآن في العالم هو البحث من خلال التنظيمات الدولية الاقتصادية مثل مجموعة الدول العشرين أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمحاصرة هذه الشركات بالضغوط حتى تكون قابلة للانقسام؛ أو فرض الضرائب عليها وهي المقدرة في العام الواحد بمائة مليار دولار يمكن استخدامها لأغراض كونية تهم العالم كله مثل مواجهة الاحتباس الحراري.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات