تسييس الدراسات الشرق أوسطية في عهد ترامب

تحدثنا في الأسبوع المنصرم عن تسييس دراسات الشرق الأوسط منذ أحداث 11 سبتمبر الإرهابية. وقد انبرى المناصرون لإسرائيل مثل مارتن كريمر ودانيل بايبس بتحميل هذه الدراسات مسؤولية الفهم الخاطئ للشرق الأوسط والإسلام والذي تسبب في تغييب وعي صناع القرار عن الخطر الإسلامي الداهم. وبعد مرور عقدين عن أحداث سبتمبر، تقوم إدارة الرئيس ترامب بمحاولة استخدام المساعدات المالية المقدمة من قبل الحكومة الفيدرالية إلى الجامعات لدعم اللغات والدراسات الإسلامية لتعديل المناهج.

وفي مقالة لإحدى محطات التلفزة الأمريكية تقول إن إدارة ترامب هددت جامعتي ديوك ونورث كارولينا بقطع الدعم المالي لأقسام دراسات الشرق الأوسط لتحيزهم للإسلام. وأن هذه الأقسام والمراكز التي تختص في الدراسات العربية والإسلامية تروج الإسلام ولا تفعل الشيء ذاته للمسيحية واليهودية.

وبعثت وزارة التعليم في إدارة ترامب برسالة إلى مجمع الدراسات الشرق الأوسطية للجامعتين بتغيير مناهجها وإلا فقدت العطايا المالية والتي تصل إلى 235.000 دولار. وقد حصلت ردة فعل قوية على تدخل الحكومة في تدريس المواد في الجامعات. حيث إن استقلالية التعليم الجامعي مسألة تعتبر من الأساسيات لضمان حرية الفكر في الجامعات والمراكز البحثية ولا يحق تسييسها.

وتقول وزيرة التعليم الأمريكية، بيتسي ديفوس، إن التحقيقات حول هذه البرامج التعليمية بدأت برسالة بعث بها عضو مجلس النواب الجمهوري جورج هولدينغ يشتكي عن أن البرامج التعليمية والتي يدعمها دافع الضرائب الأمريكي متحيزة ضد إسرائيل وتتسم بخطاب معاد للسامية.

وتضيف الوزيرة بأنها انزعجت من هذه الرسالة وأمرت بفتح تحقيق لمعرفة إذا ما كان هذا المجمع في جامعتي ديوك ونورث كارولينا يستخدم الأموال الممنوحة للمجمع للأغراض التي أعطيت من أجله.

وتطورت الأمور إلى قضايا أخرى حيث قامت وزارة التعليم بالتحقيق في قضايا معادية للسامية في جامعتين معتبرتين وهما جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس وجامعة نيويورك. ومرد التحقيق أن بعض الطلبة اليهود الموالين لإسرائيل تعرضوا لمضايقات من قبل طلبة متعاطفين مع القضية الفلسطينية، وان الجامعة لم تتخذ أي إجراءات ضد الطلبة.

والإشكالية هي كيفية تعريف مناهضة السامية. فإذا انتقد الطلبة في الجامعات سياسات إسرائيل دون التعرض للدين والإثنية اليهودية، هل يعتبر ذلك مناهضة للسامية؟ أو إذا قام المناصرون لفلسطين بتظاهرة أو نشاط مضاد لنشاطات مساندة لإسرائيل هل يعتبر هذا العمل لاسامي؟

وحسب صحيفة إخبارية يهودية، فقد أثار هذه المسألة طالب في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس الذي سمع محاضرة تقول إن مساندي إسرائيل هم مثل الداعين لتفوق العنصر الأبيض. وشعر هذا الطالب بالمهانة، وحينها ذهب إلى مكتب منع التفرقة التابع للجامعة لاتخاذ الإجراءات ضد هذه المقولة والتي اعتبرها مناهضة لليهود.

وسانده في دعواه جماعة يهودية تكافح ضد اللاسامية. وقالت إن على الجامعة أن تتبنى تعريفاً يرى في الصهيونية جزءاً أصيلاً من هوية الطلبة اليهود. وعلى الجامعة أن تجند المسؤولين والطلبة لمحاربة اللاسامية في الجامعة. وحين حققت الجامعة في هذه المسألة خلصت إلى أن الحادثة لا ترقى إلى كونها فعلاً أو عملاً عنصرياً.

وفي حادثة أخرى في جامعة نيويورك اعترض بعض الطلبة الموالين لإسرائيل منح جائزة من رئاسة الجامعة إلى مجموعة العدل في فلسطين بسبب أن أحد أعضاء هذه المنظمة تشابك بالأيدي مع عضو في الطرف الآخر. وقد طلبت وزارة التعليم التحقيق في القضية بسبب أنها تندرج تحت التفرقة العنصرية.

وعلى ما يبدو أن هناك عدة جامعات تعرضت لكثير من هذه الدعاوى بسبب أن النشاط الفلسطيني يخلق مناخاً معادياً لليهود. وأن العداء لإسرائيل والصهيونية هو عداء لليهود. وعلى هذا الأساس تقدم اتحاد الحقوق المدنية الأمريكية بطلب إلى إدارة ترامب لإلغاء الدعوة المقامة ضد جامعتي نيويورك وكاليفورنيا، وضد التهديد بقطع المعونات المالية بسبب أولويات أيديولوجية. كما أن جمعية دراسات الشرق الأوسط لأمريكا الشمالية مع ثماني عشرة مجموعة أكاديمية نددت بذات الشيء.

وقالت إن تدخل الحكومة في المناهج الجامعية تعطل استقلالية الجامعات. وأضافت الجمعية إن التدخل السافر والتحقيق حول المناهج والأساتذة يذكر بعهد سابق، في إشارة واضحة إلى المكارثية، لتخويف الطلبة والأساتذة في الجامعات.

وعلى ما يبدو فإن الصراع على الجامعات وخاصة الدراسات العربية والإسلامية ستظل قائمة ما قام الصراع في الشرق الأوسط حول القضية الفلسطينية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات