ديمقراطيون.. وخبثاء أيضاً

من أجل الاعتراف بوجود دولة ما واستقلالها وسيادتها، لا يشترط القانون ولا فقه العلاقات الدولية، كونها تدار بنظم ديمقراطية أو غير ديمقراطية.

الشائع والمتواتر والمتعارف عليه، أن نشوء الدول واستحقاقها للوجود والاعتراف بها وانخراطها في أفلاك المنظومة الدولية، يرتبط بتوفر عناصر ثلاثة: الشعب والأرض والسلطة الحاكمة.

بعض فقهاء ومفكري الاجتماع السياسي يضيفون عنصراً رابعاً، لم ينل حظه من الرواج رغم معقوليته ومنطقيته، موجزه الأحقية التاريخية للشعب وسلطته في الإقليم المعني.

عند التأمل ملياً في هذا العنصر الأخير، الذي لا تعبأ به كثيراً الأوساط الحقوقية والسياسة العالمية على الصعيدين النظري والتطبيقي، نعثر على مبرر ذهبي لإصرار قطاعات واسعة من الفلسطينيين عدم الاعتراف بدولة إسرائيل. فهي وإن حظيت بالشروط الثلاثة الأكثر شهرة وانتشاراً، إلا أنها في ظاهر الحال وباطنه تفتقد للشرعية أو الأحقية التاريخية.

ولعل دراية الإسرائيليين بهذه الموضوعة، هي التي تجعلهم يصممون على سوق الفلسطينيين تحديداً وحصرياً إلى الاعتراف بدولتهم، بل والإقرار بيهودية هذه الدولة. هنا يكمن أحد أهم تجليات الصراع بين الروايتين التاريخيتين، الفلسطينية والصهيونية.

على سبيل الاستطراد المفيد، لنا أن نلاحظ كيف أن الإسرائيليين لا يتطرقون صراحة إلى هذه القضية، وذلك على الرغم من استقرارها في صلب وجداناتهم وإقلاقها راحتهم على مدار الوقت.

وفي كل حال، نحسب أن الحرص على التعريف بعلة إسرائيل في تحري الاعتراف الفلسطيني، التي تعني إقرار الضحية برواية الجلاد، من المسائل واجبة السطوع في مناظرات الجانب الفلسطيني.

لكن ما يعنينا أكثر في هذا المقام أن كثيراً من الساسة المتنفذين، فضلاً عن بعض مراكز التفكير والبحث ومؤسسات صناعة القرار، في عالم الغرب، يجادلون في جدارة الفلسطينيين بالاستقلال والدولة، بزعم أنهم ليسوا ديمقراطيين.

يعتقد جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن «السلطة الفلسطينية عبارة عن دولة بوليسية وليست ديمقراطية مزدهرة، ومن أخطر الأشياء أن تقوم دولة فاشلة». ومن متن المداخلة ذاتها، نفهم أن كوشنر يسوغ لبلاده ولإسرائيل عدم الاعتراف بهذه الدولة، طالما بقيت على حالها من «البؤس الديمقراطي».

وعليه، فإن كبير مسؤولي إدارة ترامب عن ملف التسوية الفلسطينية، يضيف بمحض تصريح مقتضب عنصراً آخر لقيام الدول والاعتراف بها، محوره الأداء الديمقراطي للنظام السياسي.

الحق أن هذا الطرح المتخابث ليس جديداً ولا هو من بنات أفكار كوشنر.. فمنذ بداية نشوء السلطة الفلسطينية، تزاحمت عروض ومشروعات المؤسسات المانحة الأوروبية والأمريكية، الغربية بعامة، العاطفة جدلاً على دمقرطة هذه السلطة وشعبها.

وعلى وجه التقريب فإنه ما من معونة أو منحة أو هبة، قدمتها هذه المؤسسات للقوى الفلسطينية الرسمية والمدنية، إلا وكانت مقترنة بمدى احترام أطرافها لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وغالباً ما يعتني المانحون بأبعاد وممارسات وثيقة الصلة بهذه المبادئ، كإصلاح الأجهزة الأمنية والحكم الرشيد وتعزيز الرقابة والشفافية والمحاسبة وسيادة القانون وحرية الصحافة ومحاربة الفساد الإداري والمالي، وقبل ذلك وبعده نبذ العنف والإرهاب.

اللافت أن حديث الديمقراطية، وضرورة الالتزام بفروضها وسننها، لم يصل بمعظم هؤلاء المتحدثين والمهتمين في عالم الغرب، إلى جعل تحوّل الفلسطينيين الديمقراطي شرطاً مسبقاً لقيام دولتهم أو لاستقلالها والاعتراف بها، وتطبيق حل الدولتين.

وهكذا فإن ما يطرحه كوشنر يمثل انعطافة فارقة في هذا الإطار. لكن هذا الغيور على الديمقراطية الفلسطينية ومن على شاكلته، لا يسألون عن كيفية اجتراح هذا الشرط في ظل احتلال استيطاني مستعر؟ ولا عن نوعية المساق الديمقراطي المطلوب.

هل هو على الطريقة السويسرية والسويدية أم دون ذلك؟ ولا عما كانوا يملكون صلاحية الحكم على صحة هذا المساق؟ ولا عن لحظة تحقيقه، بينما تتولى إسرائيل قضم عناصر الدولة الفلسطينية، الأرض والشعب والسلطة، تحت سمعهم وبصرهم؟.. ومن المدهش، أنهم، يتنصلون ويتثاءبون حين يدعون إلى تقديم الضمانات المطلوبة، لتمكين الفلسطينيين من تمرير إجراءات لا غنى عنها لغشيان الديمقراطية، كالانتخابات التشريعية والرئاسية في القدس المحتلة.

إلى ذلك ونحوه، أين مساءلتهم للدولة القائمة بالاحتلال، عن مدى التزامها هي ذاتها بأسس الديمقراطية والشرائع الدولية لحقوق الإنسان والشعوب، وهي التي تعلي شأن سياساتها وقوانينها وتمنحها الأولوية القصوى على هذه الأسس والشرائع؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات