رواد النقل في العالم

حينما كنت أقف بسيارتي، بمنتصف التسعينات، في مصرف أمريكي لإجراء معاملة من النافذة، كان يثير استغرابي بعدي عن الموظف الذي يحدثني عبر جهاز مكبر الصوت (انتركوم).

لكنه سرعان ما يرسل إليّ النموذج الورقي المطلوب توقيعي عليه، ثم الإيصال، عبر أسطوانة شفافة محكمة الإغلاق، تحركها قوة دفعة هوائية في أنبوب حديدي ممتد من داخل البنك إلى سيارتي.

أوقع المطلوب ثم أعيده إلى الموظف بالطريقة نفسها.

كنا أشبه بالواقفين في محطة التزوّد بالوقود كلٌ ينتظر دوره لإجراء المعاملة بمحاذاة بعضنا البعض.

الأمريكيون، رواد خدمة العملاء، لم ينتظروا أحداً يصدر لهم حلولاً أو يسبقهم إليها، بل وضعوا حلاً بسيطاً كهذا يسرع الخدمة.

تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ، أمس، فكرة جديدة عصرية مشابهة يتحفنا بها الإنجليز كعادتهم، لكنها من باب النقل.

إذ يعدون العدة الآن لإطلاق شبكة أنفاق «هايبرلوب» لنقل 72 ألف طرد بريدي في الساعة تحت سطح أرض العاصمة الإنجليزية بسرعة 40 ميلاً.

ويتوقع أن تنقل الشبكة 600 مليون طرد سنوي في لندن وحدها وستمتد خطوطها إلى خارج العاصمة ابتداء من هيرتفوردشاير وميلتون كينز.

وهو ما يعتبر تطوراً كبيراً في النقل الذي تزداد وتيرته حول العالم، فضلاً عن أنها فكرة قابلة للتطبيق، وتخترق جبالاً، وأودية، وأنهاراً، وسهولاً، في بلدان أخرى يعاني فيها الناس من صعوبة استلام الطرود البريدية والأدوية في مناطق نائية أو مزدحمة.

كما يمكن نقل السلع الغذائية الضرورية عبر «الهايبرلوب» البريدي بسرعة خارقة في الحروب، والأزمات الاقتصادية الطاحنة من دون الحاجة لسيارات نقل، وتلويث البيئة بعوادمها وازدحاماتها المرورية وحوادثها.

يعتبر الإنجليز رواد النقل في العالم، حيث أقاموا أشهر شبكة قنوات مائية (الكانال) التي مهدت للثورة الصناعية الرائدة.

وخفضت تكلفة نقل الفحم (وقود الثورة الصناعية لاحقاً) إلى أكثر من النصف، وهو تقدم هائل في التجارة والصناعة. ولوحظ ذلك بعيد بدء قناة «بريدج واتر» الشهيرة بالعمل في مانشستر عام 1761.

حيث قلبت القنوات المائية موازين قطاع الصناعة في شمال البلاد. فشرعت بريطانيا مجدداً والأسر التجارية الثرية فيها بحفر القنوات في تسابق محموم لتنشيط التجارة.

وذلك لتقديم حلول لمشكلاتهم. التسابق نفسه يحدث الآن في شبكة الهايبرلوب التي أطلقتها شركة ماجواي المدعومة من أوكادو العاملة في مجال نقل الطرود.

وأتوقع أن تشجع شركات غيرها في بريطانيا وحول العالم لمد أنفاق تحمل طروداً بريدية وسلعاً خفيفة لتدب تدريجياً في شرايين كافة أقطار العالم.

ومن يستبعد ذلك نذكره بأعجوبة شبكة قطارات مترو الأنفاق البريطانية التي أطلقها الإنجليز قبل أكثر من 150عاماً ليذهلوا كل زائر إلى عاصمتهم بأن الحلول ممكنة إذا وجدت الرغبة الجادة، والخطط المدروسة، والتأهيل اللازم للطاقات البشرية والقوانين.

ويمكن لأي بلد أن يتميز بحلول خلّاقة تخرج من بنات أفكار مبدعيها. فما زالت بريطانيا تتمتع بأكفأ نظام مواصلات (نقل عام) في العالم وضعه أبناؤها.

ولأننا نعيش في العالم النامي (الثالث) فهذا لا يمنع على أقل تقدير أن نجلب تقنية ما أو مواد أولية في محاولة جادة لتقديم مشاريع لمشكلاتنا الكبرى.

ونصبح رواداً في وضع الحلول في مجال معين. شريطة تأهيل الأجيال المقبلة على الإبداع، والابتكار، وتذليل العقبات المادية، والقانونية، والفنية، ليصبح لديهم مقدرة ذاتية لاحقة لوضع الحلول من دون انتظار فتات ما ترميه إلينا البلدان المتقدمة.

* كاتب كويتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات