تنقيح التراث بين الحقيقة والهدم

اعتنى العلماء منذ القدم بتنقيح التراث، ووضعوا القواعد العلمية الدقيقة لذلك، وظهرت علوم كثيرة لخدمة هذا الغرض، ولم تكن هذه القضية تشكل أزمة في حياة المسلمين.

بل كانت جزءاً أصيلاً وطبيعياً من المسيرة الفكرية للحضارة الإسلامية، لأنها كانت منضبطة بضوابط العلم والحكمة، ويتولى زمامها علماء متخصصون، يجمعون بين المصالح المعتبرة وثوابت الدين.

ومن أبرز مظاهر تنقيح التراث الجهود الكبيرة والبارزة لعلماء الحديث في العناية بالسنة النبوية الشريفة، وتنقيتها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفق قواعد منهجية منضبطة.

وتسخير الأدوات العلمية لخدمة ذلك، حتى ابتكروا من أجل ذلك علوماً جديدة، وصنفوا الموسوعات الكبرى التي ليس لها نظير.

ومن مظاهر تنقيح التراث في الفقه الإسلامي ما قام به العلماء في الموسوعات الفقهية الكبرى مثل كتاب الأم للإمام الشافعي والحاوي الكبير للماوردي والمبسوط للسرخسي والذخيرة للقرافي والمغني لابن قدامة والمُحلَّى لابن حزم والكتب المصنفة في علم الخلاف وغيرها.

فهي كلها مليئة وثرية جداً بالمناقشات الشرعية والمناقشات العقلية للآراء الفقهية الاجتهادية، والتي تقلِّب الآراء وتمحصها وتردُّ وتجيب.

وتستخرج من العقول المطعَّمة بالشرع الإيرادات والاستدراكات والإجابات والتوضيحات، والتي تمثل بحق نموذجاً متميزاً للتفكير النقدي المستنير لدى العقلية العربية والإسلامية.

وصورة راقية من صور التسامح في مسائل الخلاف والنقاش الراقي الذي لا يفسد للود قضية، والقائم على بيان الصواب بالحجة والبرهان.

ولم يزل العلماء في كل العصور يجتهدون بناء على ظروف زمانهم وواقعهم، ويستخرجون من علل الأحكام ومقاصدها أحكاماً للنوازل المستجدة في أزمنتهم.

والفتاوى الجديدة في المسائل الاجتهادية التي تتغير الفتوى فيها بتغير الزمان والمكان ومواكبة أحوال التطور الحضاري ومراعاة المصالح المعتبرة، إذ الشريعة مبناها وأساسها على تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد.

ومن الجدير بالذكر أنه لم تكن هناك أي أزمة في التراث الإسلامي بين الديني والدنيوي، فلقد واءم العلماء بينهما أيما مواءمة، حتى قال الإمام الشافعي: «لا تسكننَّ بلداً لا يكون فيه عالم يفتيك عن دينك

ولا طبيب يُنبئك عن أمر بدنك»، كما لم تكن هناك أي أزمة في التعامل الرشيد مع تراث الآخرين، فقد حافظ أهل العلم على أشعار الجاهليين، واعتمدوا عليها في اللغة العربية، لتصبح جزءاً من التراث.

وكان الشافعي أحد العلماء الأعلام الذين شجعوا الترجمة والاستفادة من كتب غير المسلمين، ووجَّه ولاة الأمر الذين يجدون مثل هذه الكتب إلى أن يدعو من يترجمها لهم،.

فإن كان علماً من طب أو حساب أو شعر أو أدب أو غيره انتُفع به، وحرُم إتلافه، وقرَّر ذلك الفقهاء في كتبهم، ليكونوا بذلك قوة دافعة للاستفادة الرشيدة من تراث الآخرين ومن العلوم الدنيوية المتنوعة.

ولما كان التنقيح في اللغة هو حسن النظر والتنقية والإصلاح فليس معنى تنقيح التراث اقتلاعه من جذوره، أو إعلان القطيعة معه وتجاوزه، أو تقويم ما هو مستقيم فيه.

فإن ذلك هدم وليس تنقيحاً، ومن الأمثال العربية: «استغنت السُّلاَّءةُ عن التنقيح»، والسُّلاَّءة شوكة النخلة، فالعصا تُنقَّح لتصبح أملس، بينما الشوكة هي في غاية الاستواء والملاسة، فلا تحتاج إلى تنقيح، وهذا مثل يُضرب لمن يريد تقويم ما هو مستقيم.

وتنقيح التراث إذا لم يكن على يد علماء متخصصين ولم يكن وفق المنهج العلمي فإنه يصبح هدماً.

وهذا الهدم يأخذ أشكالاً عدة، وصولاً إلى ما رأيناه لدى بعض الحداثيين الذي ملَّ كل القراءات الحداثية التي لم يجد لها تأثيراً في الواقع، فقفز رأساً إلى اعتبار القرآن ظاهرة بشرية أنتجها النبي محمد من قوته التخيلية لعلاج قضايا عصره، وليس وحياً إلهياً.

وبالتالي لا حاجة إلى القراءات التأويلية لتجاوزه، مقرراً أنه لا توجد ثوابت في الإسلام سوى الإيمان بوجود الله، وهو ما سماه بالإسلام الربوبي، فأي جناية على الإسلام أكبر من هذا.

بأن تسقط جميع عقائده وأحكامه ولا يبقى منها سوى الإيمان بوجود خالق للكون والذي يقر به أي ربوبي لا يؤمن بالأديان والرسل.

ولذلك أكد مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي انعقد في دولة الإمارات في 2005 خطورة ما يسمى بالقراءة الجديدة للنصوص الدينية إذا أدت لتحريف معاني النصوص بحيث تُخرجها عن المُجمع عليه وتتناقض مع الحقائق الشرعية.

إن تنقيح التراث قضية كبرى، يتولى زمامها العلماء الراسخون، الذين يجمعون بين المصالح المعتبرة في كل زمان ومكان مع المحافظة على أصول الإسلام وثوابته ومسلماته التي تشتمل على أرقى المصالح وأنبلها.

* مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات