أما آن الأوان للذهاب إلى حكومة إنقاذ وطني؟

لا يمكن مقاربة «مآلات» الأزمة السياسية في العراق بما هو تقليدي في الأعراف السياسية من أساليب التقويم وإصدار الأحكام، فأزمته تستعصي على ذلك لأنها تعبر عن تداعيات إرث غائر العمق في القدم نشهد الآن بعض ارتداداتها التي تتعلق بـ«هوية» العراق في سياقات الفرز الانتمائي الإقليمي، الذي أصبح محور الصراع السياسي في المنطقة.

فقد أصبح العراق في أطر الاستراتيجيات المرسومة إقليمياً على شفير هاوية لا أحد يجرؤ على التفكير بمستقرها ولا التطلع لمدى عمقها طالما بقي غير أبنائه يتحكمون بمسارات مستقبله.

انتفاضة العراق في الأول من أكتوبر 2019 انعطافه تاريخية في أهدافها، قرار التصدي لها وإنهاء اعتصاماتها قد اتخذ منذ اليوم الأول لها، إجراءات القمع تصاعدت بشكل لافت، فلم تعد لدى الأجهزة الأمنية من وسيلة عنف لم تتخذها مباشرة أو بأيادٍ أخرى تغض النظر عن فعلها مما لم يعد بوسع الأسرة الدولية تجاهل ما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان، استوجب صدور بيان عن ست عشرة سفارة غربية في بغداد تدين العنف المفرط الذي تجابه به تظاهرات واعتصامات يسمح بها دستورياً.

الأزمة طالت وتعقدت وتزداد الخسائر المادية والبشرية بشكل مستمر، ولا حلول لدى الطبقة الحاكمة سوى تقديم تنازلات لبعضها البعض وليس للجمهور الثائر، الإسراع بتسمية مرشح لرئاسة الوزارة لن يحل الأزمة ما لم يحظَ بقبول الشارع المنتفض ضمن حزمة المطالب التي وضعها.

التظاهرات والاعتصامات المليونية التي تجوب شوارع وساحات المدن العراقية منذ ما يزيد على الأربعة شهور، والذي تجاوز ما تحملته من ضحايا أرقاماً لم يسبق أن شهد العراق مثيلاً لها، لم تعد تنادي بتحقيق مطالب ثانوية الأهمية، فما ترتب على إخفاقات سبعة عشر عاماً من فشل لا يعالج بمجرد تنحي بضعة أشخاص عن الحكم أو إحالة البعض منهم إلى القضاء، المطلوب في المنعطف التاريخي الذي يمر به العراق إصلاح بنيوي شامل وجراحات كبرى وليس مجرد تشكيل وزارة.

العملية السياسية قد استنفدت كل أكلها، ولم يعد لديها زاد يقيها السقوط المدوي، ولم يعد هناك وجوهاً في حوزتها تصلح لإنقاذها مهما بلغ سمك ما تحمله من مساحيق التجميل على سيرتها. الكتل السياسية مشغولة ببحث صيغة جديدة للتوافق بما يديم مصالحها، ولم يجرؤ أحد حتى الآن على مواجهة الخيار الوحيد المتاح لإنقاذ الوضع من الانهيار التام، وهو إعلان حالة الطوارئ، وحل المجلس النيابي، وتعليق العمل بالدستور، والخروج عن سياقاته والذهاب إلى حكومة إنقاذ وطني لفترة انتقالية تعيد بناء العملية السياسية وفق الضوابط الوطنية، وبإشراف الأمم المتحدة، بعيداً عن إرهاب الميليشيات وإملاءات الجار الشرقي.

الوضع الآخذ بالتردي في العراق لا يسبب صداعاً وقلقاً للنخب السياسية التي ترتعد فرائصها بل يسبب قلقاً إقليمياً ودولياً، خاصة للولايات المتحدة التي لم تعد تخفي استياءها من الطبقة الحاكمة، التي تزداد قرباً من إيران، وقد بدأت فعلاً بعد سلسلة عمليات استهداف سفارتها باتخاذ إجراءات ضاغطة تحد من القدرات العسكرية والأمنية العراقية، تمهيداً لإجراءات عقابية أشد، فهي لا تزال تمسك بخيوط اللعبة الأساسية، لأنها قادرة على شل الحياة بكاملها، فجميع أموال العراق تحت هيمنة البنك الفيدرالي الأمريكي.

أية حكومة مقبلة في العراق لن تكون مهمتها سهلة، وطريقها سالكاً بل ستواجه رذاذاً إن لم يكن قذائف الصراع الأمريكي الإيراني، الذي كلما تصاعدت وتيرته ازدادت صعوبات التعامل معه، وتكشفت أوجه جديدة من وجوهه، فالصراع وصل إلى استحقاقات كشفت حقيقة بعض الرموز السياسية التي خُدع بها الوسط السياسي العراقي.

فلم يعد هناك الكثير من الإبهام والتداخل في المواقف والتردد في إصدار الأحكام، بعد أن استغرق الكثير من الوقت للتعرف على من دأب الإعلام على تزيين صورته وتسويقه زعيماً منحازاً لقضايا الشعب، ليتبين أخيراً بما لا لبس فيه، ونحن هنا نستعير مفردات متداولة في لعبة كرة القدم العالمية، بأنه أحد كبار اللاعبين الذين يجلسون على «دكة البدلاء» للفريق الإيراني أخرجه المدرب أخيراً للعلن، بعد أن بدأ الفريق يترنح تحت ضربات الشارع العراقي، الذي كشف بانتفاضته كل ما كان مستوراً من فساد المؤسسة الحاكمة بأوجهها المتنوعة.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات