الوطنية العراقية.. زيّ جديد

تُحدث التحولات التاريخية في حياة الشعوب تغيّرات جذرية في نمط الحياة الفكرية والسياسية، وتفرز وفقاً لذلك قيادات سياسية تاريخية لها حضور جماهيري ورؤى جذابة تعزز مشاعر الأمل بمستقبل أفضل.

إلا أن هذه الفرضية في حالة تطبيقها على الحالة العراقية نخرج بنتائج محبطة جداً، فمنذ التغيير في العام 2003 ومولد الدولة العراقية الجديدة لم نرَ سوى ساسة باهتي اللون لا يمتلكون من الرؤى ما يرقى إلى الحد الأدنى لمتطلبات بناء دولة عصرية تستطيع مقاربة الإرث الثقيل للتداعيات السياسية والاقتصادية والصحية والنفسية التي خلفتها ثلاثة حروب.

وما تمخض عنها من استحقاقات، وما أحدثته من شروخ في «الهوية الوطنية»، وما تركته من خراب على مستوى العلاقات التي تربط العراق بجواره.

فعلى الرغم من مرور ستة عشر عاماً على سقوط النظام السابق، لا يزال النظام الذي قام على أنقاضه يثير شتى التساؤلات حول ملامح الدولة العراقية الثالثة التي لمّا تتشكل بوضوح بعد وسط التعقيدات الكثيرة التي اكتنفت ميلادها بالغزو الأمريكي، وحول مدى أهليتها لمقاربة أبرز ما يواجه العراق من مهام، وهو إعادة صياغة هويته الوطنية.

انتقال الدولة العراقية من ملامحها «الملكية» الأولى التي اتسمت باستقرار نسبي إلى ملامحها «الجمهورية» الأولى التي اتسمت باللا استقرار عبر العديد من الانقلابات التي شهدتها ثم إلى ملامحها «الجمهورية» الثانية التي نشهدها حالياً.

لم يكن طبيعياً، بل بفعل هزات بنيوية شديدة التأثير على التوازنات السياسية محلياً وإقليمياً تركت ندوباً عميقة التأثير على الواقع المجتمعي والفكري والثقافي لا يتسع المجال للدخول في التفصيلات حول ملامحها، وولّدت انقسامات لم تكن موجودة في الماضي.

وعمّقت أخرى لم تكن ظاهرة للعيان، وخلقت حالة لا استقرار سياسي ومجتمعي لم تخلُ من العنف، وأعادت في الوقت نفسه الجدل حول «الهوية الوطنية».

بناء الدولة، أية دولة، مرتبط إلى حد بعيد بفاعلية النزعة الوطنية لأبنائها، يتجاوز الطروحات الضيقة الأفق لمكوّناتها التي قد تكون عرقية أو دينية أو مذهبية أو عشائرية أو مناطقية، إلا أنه يتيح لها فسحة في المسرح السياسي لممارسة ما لم يكن من تقاليد الوطنية العراقية منذ خمسينيات القرن المنصرم، وحتى سقوط النظام السابق.

فمنذ ذلك الحين يشهد العراق صراعات حول هويته، وهي في الحقيقة الصراعات الأشد قسوة والأكثر خطورة على وحدته، لأن أحد مساراتها التقسيم إلى دويلات، وثانيها الذهاب إلى فيدراليات كل منها جاهز لرفع شعار الانفصال.

«التراجع» في مشاعر الانتماء للعراق لم يكن بمعزل عن التغيّرات الفكرية والاجتماعية، التي بدأت إرهاصاتها منذ أواسط سبعينيات القرن المنصرم، وبدأ صعود القيادات الدينية استجابة لنكهة الشارع الذي بدأ يشهد عزلة الطبقة السياسية الحاكمة مع تعزيز نهجها في الاستئثار بالحكم، وتوسّع حملة القمع والاضطهاد وتزايد هجرات القوى السياسية وكوادرها إلى الخارج.

وتراجع دور ما اصطلح على تسميته بـ«جبهة الصمود والتصدي» أو بالأحرى بداية تفككها، وهي لم تكن في الحقيقة سوى مطية لما أطلق عليه حينذاك بالحزب القائد، وعجز في تفهم ما يطرأ على الهيكل الفكري المجتمعي من تغيّرات بفعل ديناميات أخرجها التسلّط والفشل من حالة السكون إلى حالة الحركة والفعالية.

صناعة الهوية الوطنية العراقية ليست بالضرورة ترفاً فكرياً يتطلب التعمّق بما جاء في فلسفة آرنست رينان حول «مفهوم الأمة» ولا الدخول في تفاصيل الظروف الموضوعية التي دفعت جان جاك روسو لصياغة بنود «العقد الاجتماعي»، بل بالانقلاب على معادلات اللا توازن السائدة في المجتمع التي تتيح للقلة القليلة أفضل فرص التعليم والخدمات الصحية ووسائل الرفاه الاجتماعي.

ولا تتيح شيئاً من ذلك للغالبية العظمى من الشعب، وهي معادلات لا يتم الانقلاب عليها في مجلس النواب، ولا في اجتماع قادة الكتل السياسية، كما شهدنا عبر ستة عشر عاماً من عمر الدولة العراقية الثالثة، بل في ساحات الرفض والانتفاض.

*كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات