ذات الخمار الأسود

التاريخ لا يكتبه المحاربون، ولا السياسيون فقط، بل الشعراء والأدباء والفنانون أيضاً. الرصاص قد يحرق قرية، لكنه لا يحرق قصيدة نظمت قبل ألف وألفي عام. الكلمة بداية الخلق.

«اقرأ»، رئة ثالثة يتنفس منها الشاعر والكاتب، وكم من حضارة دلت عليها حروف ناطقة نقشت على حجر أصم.

لقد اختار الله سبحانه وتعالى، لغتنا العربية لتكون لغة القرآن الكريم، كتابه المحكم الذي أنزله على محمد النبي العربي الأمين، آخر الرسل والأنبياء. وقبله كانت لغة العرب الأكثر إعجازاً وجمالاً بين لغات البشر.

السماء الصافية تمنحهم صفاء الذهن ورمال الصحراء تمدهم بالكلمات. فنظموا من القصائد ما نزال نحفظه حتى اليوم، وستظل تحفظه الأجيال القادمة، بل ونغني بعضه أيضاً لما تحمله من قصص وحكايات وحكم.

حسب روايتيْ ابن حجّة الحموي في كتابه «ثمرات الأوراق»، وأبو الفرج الأصفهاني في كتابه الشهير «الأغاني»: «قَدِمَ تاجرٌ إلى المدينة (المنورة) يَحمِلُ مِن خُمُرِ العراق، فَباعها كُلَّها إلا السود، فشكا إلى الدارِمي ذلك. وكان الدارِمي قَد نَسكَ وتَعبَّدَ، فَنظم أبياتاً وأُمِرَ مَن يملك صوتاً رائعاً، يُغَنِّي بِهما في المدينة:

قُلْ للمَليحَةِ في الخِمارِ الأسودِ .... ماذا فَعَلتِ بِزاهِدٍ مُتَعبِّدِ

قَد كان شَمَّرَ للصـــلاةِ إزارَهُ .... حَتى قَعَدتِ لَه بِبابِ المَسجدِ

رُدِّي عَلَيهِ صَلاتَهُ وصـــيامَهُ .... لا تَقتُليهِ بِحَـــقِّ دِيــنِ مُحَــمَّدِ

فشاعَ الخبرُ في المدينة أنَّ الدارِمي رَجعَ عَن زُهدِه وعشق صاحِبةَ الخِمارِ الأسود، فَلم يَبقَ في المدينة المنوّرة فتاة أو سيّدة، إلّا اشترت لها خماراً أسود. فلمّا أنفذ التاجر ما كان معه رَجعَ الدارمي إلى تَعَبُّدِه وعَمدَ إلى ثِيابِ نُسكِه فَلَبِسَها.

في القرن العشرين اشتهرت القصيدة ذاتها بصوت صاحب القدود الحلبية صباح فخري. وقد غنّاها مُطربون كُثرٌ، كلّ بطريقته الخاصّة أبرزهم ناظم الغزالي.

تُعتبر هذه القصيدة، كما تقول إحدى الدراسات، دليلاً واضحاً على ارتباط الفنّ بالواقع المادّي الاقتصادي الاجتماعي، فهو نتاجه ومُطوّره، فهو يُنتج النموذج الجمالي (ارتباط الجمال باللون الأسود) في تفاعل مع السلطة الدينيّة والاجتماعيّة والثقافيّة المهيمنة في ذلك الوقت (إجباريّة ارتداء الخمار) ليستفيد منه المجال الاقتصادي لارتباطه في هذا الموضع بحادثة كساد التجارة وواجب الدعاية لها بطريقة مختلفة.

في زمننا هذا، لأغنية «وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان» التي غنّتها فيروز حكاية سياسية. فقد جاءت على لسان الشاعر اللبناني طلال حيدر.

والتي أعاد ملحّنها زياد الرحباني، سردَ تفاصيلها في وقت سابق، قائلاً: اعتاد الشاعر طلال حيدر تناول فنجان قهوته الصباحي والمسائي على شرفة منزله المطلّة على غابة تقع على مقربة من منزله، وهو يلاحظ دخول ثلاثة شبان إلى الغابة في الصباح، وخروجهم منها مساءً، وكلّما دخلوا وخرجوا سلّموا على طلال.

وكان هو يتساءل: ماذا يفعل هؤلاء الشبان داخل الغابة من الصباح إلى المساء؟ إلى أن أتى اليوم الذي ألقى الشبان التحية على طلال حيدر في الصباح ودخلوا الغابة.

وفي المساء خرج طلال حيدر ليشرب قهوته لكنه لم يرَ الشبان يخرجون، فانتظرهم لكنهم لم يخرجوا، فقلق عليهم، إلى أن وصله خبر يقول: إنّ ثلاثة شبّان عرب قاموا بعملية فدائيّة وسط الكيان الصهيوني، وعندما شاهد صور الشبّان الثلاثة فوجئ أنّ الشبان الذين استشهدوا هم أنفسهم الشبان الذين اعتاد أن يتلقى التحية منهم في الصباح والمساء.

وعُرفت تلك العملية بعملية الخالصة، التي نُفذت في مستوطنة كريات شمونة، شمال فلسطين، في صباح 11 أبريل نيسان 1974، وكان أبطالها الفلسطيني منير المغربي (أبو خالد)، والحلبي السوري أحمد الشيخ محمود، والعراقي ياسين موسى فزاع الحوزاني (أبو هادي).

كلمات الأغنية:

وحدن بيبقو متل زهر البيلسان.. وحدهن بيقطفو وراق الزمان.. بيسكروا الغابي

بيضلهن متل الشتي يدقوا على بوابي

يا زمان.. يا عشب داشر فوق هالحيطان.. ضويت ورد الليل عكتابي.. برج الحمام مسور وعالي.. هج الحمام بقيت لحالي لحالي.. يا ناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعوا.. صرخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا..

اليوم. ونحن نستمع إلى ما يسمى «أغاني» تُكتب على ورق أصفر تذروه ريح الشتاء فلا يبقى منه شيء، نتوق إلى زمن ذات الخمار الأسود وإلى القصائد المعلقة على صدر لغتنا العربية.

Ⅶ كاتب أردني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات