إندونيسيا ما بين قوى التحديث والتخلف

كان الاعتقاد السائد في إندونيسيا أن مشاكل البلاد تكمن في الدكتاتورية السوهارتية، بمعنى أنّ التخلص منها سوف يفتح الأبواب أمام الارتقاء والنهوض.

نسي أصحاب هذا الرأي أن دول الشرق الأقصى ــ باستثناء اليابان ــ حققت نهضتها المشهودة في ظل أنظمة حكم دكتاتورية تراوحت ما بين نظم عسكرية صارمة (كوريا الجنوبية) ومدنية رحيمة (سنغافورة).

كما غاب عنهم أن السوهارتية نجحت خلال 30 عاماً من القبضة الحديدية في خلق ما يسمى الدولة العميقة، التي لا يمكن التخلص من رموزها وآثارها بين ليلة وضحاها، بدليل أن مشاكل البلاد ما زالت باقية على حالهاــ بل في حالة تفاقم ــ رغم تبدل الحكومات والوجوه السياسية مرات عدة خلال العقدين الماضيين.اليوم.

وبعد مرور نحو عقدين من سقوط نظام الجنرال سوهارتو، تواصل إندونيسيا تجربتها الديمقراطية، التي كان آخر شواهدها الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أبريل من العام الجاري، والتي منح فيها الشعب صوته مجدداً للرئيس «جوكو ويدودو» كي يحكم لفترة رئاسية ثانية تنتهي في العام 2024.

ومن نافلة القول إن ويدودو يواجه تحديات جمة في سبيل بلوغ الأهداف التي وضعها لبلاده وعلى رأسها تحقيق نمو اقتصادي لا يقل عن 7 في المائة، وضرب أوجه الفساد والمحسوبية المتواترة من عقود سابقة.

وإحداث إصلاحات جذرية في الجهاز البيروقراطي المنيع، ومعه الجهاز القضائي المخترق من ذوي النفوذ، وهما جهازان ما برحا يقفان عائقاً أمام تحقيق قفزات اقتصادية مشابهة لتلك التي حققتها الدول الآسيوية المجاورة لإندونيسيا.

وإذا كانت هذه الأهداف معلنة ويجرى الحديث عنها على رؤوس الأشهاد من غير مواربة، بل يسعى الرئيس إلى تنفيذها من خلال إحاطة نفسه بمجموعة من الشباب من ذوي الكفاءات العلمية والخبرات العملية في مجالي الابتكار والتطوير والثورة الرقمية (على نحو ما حدث مؤخراً حينما سمى 12 من الشباب الموهوبين ممن تراوحت أعمارهم ما بين 25 و35 سنة ليكونوا ضمن فريقه الاستشاري.

وأردف قراره بإطلاق تغريدة قال فيها إنه سيجتمع بهم كل يوم إنْ دعتْ الحاجة وليس كل شهر، إضافة إلى منحه 18 حقيبة وزارية في حكومته الجديدة المؤلفة من 34 وزيراً لشخصيات جديدة غير تقليدية) .

فإن الحديث عن ضرب قوى التشدد والتطرف، يجري بحذر شديد نظراً لحساسية الموضوع في مجتمع يمكن وصفه بالمؤدلج نتيجة لتغول بعض القوى الدينية في مفاصله الحيوية منذ تدشين عملية التحول الديمقراطي، والسماح بالحريات السياسية بعد سقوط نظام الدكتاتور سوهارتو في عام 1998.

الأمر الآخر المُحبط لخطط الرئيس ويدودو هو أنه في الوقت الذي قرر فيه الرجل الاعتماد في خططه الإصلاحية على القوى الشبابية المؤهلة الصاعدة، قرر فيه نائبه معروف أمين المحسوب على التيار الإسلامي (يشغل إلى جانب منصب نائب رئيس الجمهورية رئاسة أعلى هيئة دينية في البلاد ممثلة بجمعية العلماء الإندونيسيين) .

إحاطة نفسه بفريق عمل مضاد مكون من الساسة القدامى التقليديين من بقايا الحقب السياسية السابقة لضمان ديمومة مصالح فئوية وجهوية. وغني عن القول إن هذا المنحى لا يترك لويدودو فرصة للتقدم خطوة في مشروعه التحديثي الهادف إلى الارتقاء بإندونيسيا ولو بصورة نسبية.

يعرف ويدودو يقيناً أن نجاحه في فترته الرئاسية الثانية يعتمد كثيراً على التخلص من آفة التشدد والتطرف التي ابتليت بها إندونيسيا منذ انتهاء حرب أفغانستان وعودة من ذهب من مواطنيه إلى تلك الديار، ثم عاد ليروج أفكاراً ومفاهيم لم تكن شائعة على نطاق واسع في الأرخبيل الإندونيسي. ويعرف أيضاً أن تلك المفاهيم تشكل معضلة وعائقاً أمام استتباب الأمن والاستقرار في بلاده.

وبالتالي يضر بصورة إندونيسيا ملاذاً آمناً للاستثمارات الأجنبية ومصدر جذب سياحي، خصوصاً في ظل التقارير القائلة إن مخلفات تنظيم داعش وأخواته تنظر إلى منطقة جنوب شرق آسيا ــ تحديداً إندونيسيا بسبب طبيعتها الجغرافيةــ كمكان جديد لنقل أنشطتها التخريبية.

ومن هنا يمكن معرفة دوافع قرار ويدودو مؤخراً بتعيين عدد من الرموز العسكرية والأمنية القديمة في حكومته من أمثال منافسه في آخر انتخابين رئاسيين الجنرال المتقاعد بروباو سوبيانتو صهر سوهارتو السابق، وقائد قواته الأمنية الخاصة كوزير للدفاع، ناهيك عن استدعاء كل من الجنرال المتقاعد فخرالله راضي والرئيس السابق لجهاز الشرطة تيتو كارانافيان وتعيينهما كونهما وزيراً لشؤون الأديان ووزيراً للداخلية على التوالي.

والحال أنه يمكن اعتبار الحالة الإندونيسية هذه حالة نموذجية للصراع ما بين قوى التحديث والبناء التي يقودها ويدودو، والقوى المتشددة المتمسكة بأيديولوجيات عفى عليها الزمن. ولعل الأيام المقبلة ستثبت إنْ كانت الفئات الشبابية المتعلمة والمدعومة من الرئيس قادرة على تنفيذ طموحاته وبرامجه والوقوف في وجه رموز التيار الديناصوري العتيق ومعهم وزراء الحكومة العواجيز أم لا؟

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي من البحرين

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات