البطاقة الحمراء في وجه المنطقة الخضراء

تحظى الأوضاع القلقة سياسياً وأمنياً في العراق بأقصى درجات الاهتمام والترقب على الصعيدين الإقليمي والدولي، فهو محاط بست دول لها جميعاً علاقات معه ومصالح فيه على مستويات مختلفة، هيئات أو أفراد، وهو بدوره له علاقات معها ومصالح فيها على المستويات ذاتها.

العراق من جانب آخر واحد من أهم الدول المصدرة للنفط، ولا شك أن أسعار هذه المادة الحيوية في معظم دول العالم تتأثر بحالة اللا استقرار التي يشهدها والمرشحة للانفلات. هذا الاهتمام يبرر القلق على ما يدور في ساحاته وربما يبرر، بشكل ما، شرعية! مشاريع التدخل في شؤونه من قبل من هو قادر على ذلك، إقليمياً أو دولياً.

التظاهرات التي نشهدها منذ الأول من أكتوبر المنصرم ليست غريبة على ساحات وشوارع المدن العراقية فقد شهدنا العديد منها في مناسبات سابقة منذ التغيير في 2003 كان مصيرها القمع والاتهام بعلاقات مع الإرهاب أو مع عناصر النظام السابق، إلا أن التظاهرات الحالية التي أصبحت بمثابة ثورة حقيقية هي الأخطر على النظام وسياسييه .

ومن يقف وراءهم، لأن مطالبها لم تعد تتعلق بالمعاناة اليومية من شظف العيش وندرة الفرص أمام الشباب، بل تجاوزت كل ذلك لتتمحور حول الوطن الذي سُلب والإصرار على استعادته.

الانتفاضة التي أطاحت بعادل عبد المهدي وحكومته طرحت مجدداً أمام الطبقة السياسية مهمة اختيار رئيس وزراء جديد، وهي مهمة لم تكن سهلة في أي من المرات السابقة، فكيف الآن والوضع قد ازداد تعقيداً بشكل كبير.

هناك استحقاقات دستورية وسقف زمني أمده خمسة عشر يوماً أمام رئيس الجمهورية عند استقالة رئيس الوزراء لاختيار بديل إلا أن هناك صعوبات جمة تقبع أمام ذلك، فالآلية المعتادة وفق الدستور بتكليف زعيم الكتلة الأكثر عدداً في مجلس النواب قد جرى تجاوزها، فتكليف عادل عبد المهدي وهو من خارج المجلس جرى بصفقة توافق بين زعيمي أكبر كتلتين فيه، مقتدى الصدر وهادي العامري.

هذا التجاوز على الشرعية الدستورية خلق سابقة شرعية جديدة! قد يلجأ إليها رئيس الجمهورية في اختيار رئيس الوزراء الجديد من خارج المجلس بما يهدئ من غضبة الشارع المنتفض، رغم صعوبة ذلك في ضوء الضغوط الشديدة التي لا شك أنه يتعرض لها في أطر التوازنات المحلية والإقليمية.

في مواجهة هذه المعضلة عادت الكتل السياسية في مجلس النواب للحديث عن الكتلة الأكثر عدداً، وبلغ التنافس بينها أشده بغية الوصول إلى تحالفات من أجل الفوز بالمنصب، متجاهلة حقيقة أن الانتفاضة في ساحات وشوارع المدن.

والتي أصبح صوتها يعلو على صوت الجميع، والتي يتعاظم زخمها رغم حملات الخطف والاغتيال التي تطال نشطائها، هي الكتلة الأكثر عدداً، إذ لم يتجاوز عدد من شارك في الانتخابات النيابية في 2018 التي أفرزت المجلس النيابي الحالي بكل أحزابه وكتله في أحسن الحالات عن 20%.

أزمة العراق في تفاقم، فالانتفاضة ترفض التعاطي مع المنطقة الخضراء، ولا تعترف بمجلس النواب، ولا بالأحزاب والكتل السياسية التي فيه، ومن ضمن مطالبها حله، وتصر على إشهار البطاقة الحمراء بوجه جميع مرشحيها. فهناك تحول في البنى الفكرية يعيشها الجيل الجديد تعجز الطبقة السياسية عن تفهمه، لأنها لا تعيش إرهاصات العصر وتتماهى معها.

وهذا لا يقتصر على العراق وحده، فخلال السنوات العشر الماضية، هناك ما يدلل على ذلك عند التأمل في مصير أنظمة سياسية عدة. فقد أسقط أو هرب أو قتل أو سيق إلى ساحات القضاء عدد من الرؤساء العرب ليسوا كأفراد تلاحقهم شتى الاتهامات بل كممثلين ووكلاء لأنظمة سياسية علاها الصدأ ونخرها الفساد وعفى عليها الزمن، وأصبحت عائقاً أمام طموحات الإنسان وأحلامه.

من المرجح أن «الصدام» قادم، فالطبقة السياسية الفاسدة ومن يقف وراءها لن تتراجع وتخسر ما حصلت عليه من مغانم، فهي تمتلك أسباب القوة «المال والسلاح».

ولديها العديد من الميليشيات المسلحة رهن إشارتها، قد تقدم على ارتكاب مجزرة عبر هجمة كاسحة وعنف مفرط، يفوق ما تقوم به ميليشيات حزب الله وحركة أمل في ساحات الاعتصام اللبنانية في أجواء إقليمية ودولية عاجزة عن الردع لا تبدي سوى قلقها أو شجبها ووسط غياب أو سكوت أو لا مبالاة أو تواطؤ القوات الأمنية.

كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات