تطوّرٌ في العلم أم تخلّفٌ في المعرفة!

ما يصنع «رأي» الناس ويُوجّه عقولهم في هذا العصر هو «المعلومات» وليس «العلم» و«المعرفة»، وهذا ما أدركه الذين يستهدفون تشكيل الرأي العام وفقاً لأجنداتهم السياسية أو ربما لمصالحهم الاقتصادية والتجارية، كما أدركته أيضاً القوى التي تريد الهيمنة على شعوبٍ أخرى أو التحكّم في مسار أحداثها.

هنا أهمّية «المعرفة» التي يضعف دورها يوماً بعد يوم، وهنا أيضاً أهمّية «الحكمة» المغيَّبة إلى حدٍّ كبير. فبوجود «المعرفة» و«الحكمة» يتمّ تشغيل العقل، حيث تخضع «المعلومات» لمصفاة العقل المدرِك لغايات «المعلومات» ولأهداف أصحابها ولكيفيّة التعامل معها.

فـ«المعلومات» قد تجعل الظالم مظلوماً والعكس صحيح، وقد تُحوّل الصديق عدواً والعكس صحيح أيضاً. لكن «المعرفة» و«الحكمة» لا تسمحان بذلك.

وهناك مزيج يفعل فعله الآن، ليس فقط في صناعة الرأي العام، بل أيضاً في صناعة الأحداث نفسها. وهذا المزيج يقوم على الدور الخطير الذي تلعبه الشبكة المعلوماتية وملحقات الهواتف النقالة في تحويل وسائل «العلم» إلى أدوات «تحريض» أو «تغيير» أو ربما أحياناً وسائل «فتنة»، فالأمر يتوقف على الأجندة السياسية لمن يستخدمون وسائل التواصل المتطورة، وأيضاً على ما يتوفر لها من «تسريبات معلوماتية»!

وللأسف تظهر في مراحل مختلفة أصواتٌ عربية تكون هي أيضاً عنصراً مساهماً في شائعة مناخ الانقسام الطائفي والمذهبي بين أبناء الأمّة العربية، حيث تُكرّر تصنيفاتٍ وتسميات كانت في الماضي من الأدبيات الإسرائيلية فقط، فإذا بها الآن تتقدّم التحليلات السياسية لبعض الشخصيات العربية، وأصحابها يتنافسون على الفضائيات وعلى صفحات الجرائد فيما يؤدّي إلى مزيدٍ من عوامل الانقسام والانحطاط في أحوال الأوطان والمواطنين!

التقدّم التقني، في وسائل الاتصالات والشبكات العنكبوتية وإعلام الفضائيات، اخترق كلّ الحواجز بين دول العالم وشعوبها. وأصبح ممكناً إطلاقُ صورةٍ كاذبة أو خبرٍ مختلَق، ونشره عبر هذه الوسائل، لكي يُصبح عند ملايين من الناس حقيقة.

وهو أيضاً، كما كان في القرن العشرين، عصر «المال والإعلام»، ومن يملكهما يملك قدرة التأثير على صنع القرارات السياسية. هكذا فعل «اللوبي الإسرائيلي» في الغرب عموماً، وفي أمريكا خصوصاً، من حيث تركيزه على المؤسسات المالية والإعلامية في الغرب.

الإنسان العربي يعاصر اليوم عالماً فيه هيمنة كاملة للمصادر «المعلوماتية» على عقول الناس ومشاعرهم ومواقفهم. فالناس في زمننا الحالي، وبمختلف المجتمعات، نادراً ما يتعمّقون في معرفة الأمور ويكتفون بالمعلومات السريعة عنها، بل أصبحت عقول معظمهم تعتمد الآن على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى التغريدات الإلكترونية، وأصبحت هذه البرامج والوسائل هي المعتمد عليها بدلاً من التفاعل الشخصي المباشر، وربّما يحدث ذلك أيضاً بين أفراد العائلة في المنزل أو مع الزملاء بمكان العمل المشترك!

ويتزامن عربياً مع هذه المعضلة «المعلوماتية» هبوط خطير في مستوى العلم والتعليم والمعرفة. فالأمر لم يعد يرتبط فقط بنسبة الأميّة المرتفعة في بلدان عربية عدّة، بل أيضاً بانحدار مستوى التعليم نفسه، وبهيمنة فتاوى ومفاهيم دينية تُعبّر عن «جاهلية» جديدة تُخالف حقيقة الدين ومقاصده.

مسؤولية الحكومات ومؤسّسات المجتمع المدني، لا في تحسين مستويات التعليم ومراكز البحث العلمي فقط، بل بالمساهمة أيضاً في وضع لبنات لنهضة عربية جديدة، ترفع الأمّة من حال الانحطاط والانقسام والتخلّف إلى عصرٍ ينتهج المنهج العلمي في أموره الحياتية، ويعتمد العقل والمعرفة السليمة في فهم الماضي والحاضر، وفي بناء المستقبل، وفي التعامل الصحيح مع ما يُنشر من أخبار ومعلومات أو من فتاوى باطلة ومسائل تزيد من حجم التخلف والصراعات بين شعوب المنطقة.

والمدخل السليم لبناء أي نهضة فكرية عربية هو القناعة بأهمية التنوع الفكري والعقيدي والسياسي في أي وطنٍ أو أمّة. صحيح إنّ صاحب كل فكر عموماً يرى الصوابَ في فكره والخطأ في فكر غيره، لكنْ قليلٌ من الناس والأشخاص المفكّرين من يرى احتمال الخطأ في فكره أو احتمال الإصابة في فكر الآخر. فهذا منطلقٌ مهمّ لإمكان نجاح أي حوار أو تفاعل أو نقاش بين أفكار وآراء مختلفة في أي مجتمع.

هكذا هي أيضاً مشكلة بعض الحركات السياسية العربية، أنّها لم تحسن إدراك التعريف الصحيح للمفاهيم المتداولة أو للانتماءات الدينية والقومية، وقام هذا البعض بخلط المفهوم الفكري والثقافي مع المضامين والمواقف السياسية، فأصبحت أخطاء الممارسة مقرونة بمفهوم الانتماء أو الهُويّة نفسها. من أجل ذلك خرجت مواقف سياسية تدين «الهُويّة العربية» أو هذا الاتجاه «الديني» أو ذاك «العلماني» أو تلك الانتماءات الوطنية، بحالٍ من التعميم لكلّ ما هو يرتبط بالتيّار «الآخر»!

وما يزيد الآن من مأساة «الجهل والجاهلية» في المنطقة العربية، هو «نزيف الأدمغة العربية»، حيث ترتفع سنوياً نسبة هجرة الشباب العربي إلى الخارج واستقرار عددٍ كبير من الكفاءات العلمية العربية في دول الغرب، عِلماً بأنّ المشكلة ليست في «المكان» وأين هي الآن «الأدمغة العربية»، بل في دور هذه الكفاءات العربية وفي كيفيّة رؤيتها لنفسها ولهويّتها، وفيما تفعله أينما كانت لخدمة أوطانها.

فقد كان لوجود عقول عربية في أوروبا وأمريكا في مطلع القرن العشرين الأثر الإيجابي على البلاد العربية، كما حصل في تجربة الشيخ محمد عبده وصحيفة «العروة الوثقى» في باريس، أو في تجربة أدباء المهجر و«الرابطة القلمية» في نيويورك.

فالسفر والمهجر ليسا مانعاً من التواصل مع المنطقة العربية والأوطان الأصلية أو مع قضايا الأمّة عموماً، بل على العكس، فإنّ الإقامة في الخارج قد تتيح أحياناً فرصاً أكبر للتأثير والفعالية في «المكانين» معاً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات