فلنكن كلنا ذلك الأعمى العجوز

«كنت أجلس ذات مرة في سيارة بجانب السائق. ولم أكد أتبسط معه في الحديث حتى أخذ يلتهب حماساً، وقال إنه يعرف كيف يصلح العراق، وإذ هو لا يحتاج إلا لبضع مشانق ينصبها على رؤوس الجسور، فيعلق عليها المجرمين والخونة والمرتشين، وعند ذلك يرتاح الناس ويسودهم الإخاء والوئام كما يريد الله ورسوله.

عند ذلك صرخ أحد ركاب السيارة وقد بلغ الحماس منه مبلغه: ويحك ماذا تقول؟ إن المشانق لا تكفي، فلو أعطيت السلطة بيدي لعرفت كيف أصلحها. وهنا وصلت السيارة إلى نهاية مطافها لسوء الحظ فلم أتبين كيف يستطيع هذا الراكب العبقري أن يصلح الناس إصلاحاً تاماً.

ولو أن السيارة كانت قد أبطأت في سيرها فلم تصل إلى غايتها على عجل لوجدت كل الركاب يشتركون في هذه المناقشة الحادة، ولصار كل منهم مصلحاً جباراً يستطيع أن ينقذ المجتمع خلال أسبوع واحد. ومن يدري لعل كاتب هذه السطور سيشترك معهم بالمناقشة، وربما فاقهم بعظمة مقترحاته وعدد مشانقه».

هذه الحكاية يرويها الباحث الاجتماعي العراقي الدكتور علي الوردي في كتابه «مهزلة العقل البشري»، الذي يصفه مؤلفه بأنه «محاولة جديدة في نقد المنطق القديم لا تخلو من سفسطة». وهي محاولة ليست حديثة، فقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1959.

والملاحظ في الحكاية التي مضى عليها ستون عاماً أنها تصلح لهذا الزمان، وربما لأزمنة قادمة أخرى، ذلك أن طبيعة كل زمن قد تختلف عن الآخر، لكن طبيعة البشر تكاد تكون متشابهة، يعتقد كل واحد منهم أنه وحده من يمسك بزمام الحقيقة ويعرف كيف يسوس الأمور ويدبرها، يستوي في هذا العامة والخاصة، وهو ما يؤكده الدكتور علي الوردي، حيث يقول:

«والظاهر أن الفلاسفة لا يختلفون عن العامة في هذا. مزية الفلاسفة أنهم يتكلمون فلا يرد عليهم أحد مخافة أن يتهمه الناس بالغباوة أو الغفلة أو الجهل. ولهذا ملأ الفلاسفة القدماء كتبهم بالسخافات وصدق بها الناس. ولو جمعنا الفلاسفة في صعيد واحد وقلنا لهم: اتفقوا على رأي صحيح نصلح به الناس، لتجادلوا وتخاصموا كما فعل ركاب السيارة آنفة الذكر، ولظن كل منهم أنه أتى بالرأي الأصوب».

حدث هذا قديماً، ويحدث اليوم من فلاسفة العصر الحديث الذين تمتلئ بهم البرامج الحوارية في القنوات الفضائية تحت مسميات مختلفة، فهم أحياناً محللون، وهم أحياناً خبراء استراتيجيون، وهم أحياناً مفكرون يتحفوننا بآرائهم، وبما سماها الدكتور الوردي «سخافات» على فرضية أن عقولنا قاصرة عن الفهم، وأن عقولهم هي الأكمل والأقدر على التفكير والتحليل والاستنتاج والتقدير.

كما يحدث هذا أيضاً من فلاسفة وسائط التواصل الاجتماعي الذين يضج بهم الفضاء الإلكتروني، يغردون ذات اليمين وذات الشمال، تتطاير سهامهم في كل اتجاه، تصيب العدو والصديق، وكثيراً ما ترتد إليهم هم أنفسهم، فلا تعود عليهم وعلى البشر إلا بالخسارة والضرر.

«من أراد دليلاً على ذلك فليذهب إلى العلماء الفضلاء من رجال الدين، أو إلى الأساتذة الكبار في الجامعات، أو إلى الزعماء المعروفين في حقول السياسة والاقتصاد، ويدرس مجادلاتهم في مجالسهم الخاصة. كل واحد منهم يرى أن رأيه أصوب الآراء، وأنه هو بالذات خير من يلي الحكم أو يصلح المجتمع، وتراهم يتغامزون ويتآمرون ويكيد بعضهم ببعض، ذلك لأن إصلاح الوطن في نظر أحدهم لا يتم إلا على يده، أما الباقون فهم كلهم خونة أو أغبياء أو أرباب أغراض سيئة ومصالح شخصية».

هكذا شخّص الدكتور علي الوردي قبل 60 عاماً الحالة، وهو تشخيص لم يتغير كثيراً حتى يومنا، كأن الحياة نسخة واحدة من البشر تتكرر في كل عصر، تختلف فيها الوجوه وتتشابه الصفات والتصرفات، يشذ عن هذه القاعدة القليلون، وتخضع لها الغالبية العظمى من الناس، إما بفعل الطبيعة البشرية التي يبدو أنها لا تتغير كثيراً بتغير الزمان والمكان، وإما بفعل إعادة إنتاج ما قدمه الآخرون وكأنه مقدس يجب أن لا تمتد إليه يد التغيير أو التطوير أو الاختلاف، ومن يخرج عن هذه القاعدة يتعرض للهجوم والنقد وربما الأذى.

حدث هذا لكثير من المجتهدين والمفكرين والذين حاولوا إعمال عقولهم كي يكونوا مختلفين، وتم تصنيفهم على أنهم خارجون عن الإجماع.

هل تذكرون قصة «العميان والفيل» التي تتناقلها سير حكماء الهند؟

تقول القصة إن حكيماً هندياً معلماً لفتى شاب كان يدّعي العلم بكل شيء، أراد أن يلقنه درساً، فطلب منه إحضار فيل وجماعة من العميان، دون أن يخبرهم بأن ما أمامهم فيل، وطلب من العميان أن يتحسس كل واحد منهم ما أمامه ويصفه.

فمن لمس الذيل قال إنه مكنسة، ومن لمس القدم قال إنه جذع شجرة، ومن لمس الخرطوم قال إنه ثعبان غير سام، ومن لمس الناب قال إنه خنجر كبير. هذا ما فعله كل العميان عدا أعمى عجوز ظل صامتاً، حتى إذا ما انتهى العميان الآخرون من وصفهم قال إنه فيل.

لماذا لا نكون كلنا ذلك الأعمى العجوز؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات