المشكلة في السياسات وليس الأشخاص

هل سيتم حل المشكلات الحقيقية في العراق أو لبنان، بعد قرار رئيسي الوزراء عادل عبدالمهدي، وسعد الحريري الاستقالة ؟

وهل المشكلة الحقيقية في العراق ولبنان ودول عربية أخرى هي المسؤولون والحكام فقط، أم أن الأمر أكبر من ذلك بكثير؟!

تعالوا نعيد طرح السؤال بصورة أخرى: هل لو تغير اسم الرئيس أو رئيس الوزراء أو الوزراء وكبار المسؤولين في هذه البلدان ستتغير الأوضاع إلى الأفضل؟!

في نهاية الرواية الرائعة «أرض النفاق» للمبدع يوسف السباعي، كانت هناك عبارة تقول: لا تغسلوا الوحل لأنه سيظل وحلاً! وربما تفسر لنا هذه العبارة البليغة، الحال البائسة التي وصلت إليها الأوضاع في بعض البلدان العربية، للدرجة التي دفعت قطاعات واسعة من مواطني هذه البلدان إلى الشارع، بعد أن ملّت من الشعارات الفارغة التي كانت ترددها هذه الأنظمة منذ سنوات طويلة.

ربما التجربة التي مرت بها بعض البلدان العربية بعد أحداث وهبات وانتفاضات عام ٢٠١١، وما تلاه، قد جعلت شعوبهم تقتنع بأن الفرج والنهاية السعيدة لا تتم بتغيير رئيس الجمهورية أو الحكومة أو مجمل المسؤولين.

لو كانت المشكلة هي الرئيس فقط، لكانت مشكلة الشعب الجزائري انتهت، حينما استقال الرئيس عبدالعزيز بو تفليقة، لكن غالبية المواطنين، أدركوا أن المشكلة ليست في الشخص، ولكن في النظام الذي ينتج مثل هذا الشخص وغيره.

وحتى لو كانت الاستقالة أو الإقالة تكفي لتوقف نضال الشعب السوداني، بعد خلع الرئيس السابق عمر البشير، لكن الثائرين أصروا على الاستمرار، حتى يتم الاتفاق على آليات محددة للانتقال من النظام الفاشل والبائس إلى نظام يقود إلى تداول سلمي للسلطة في هذا البلد، الذي أثبت مواطنوه أنه صاحب أفضل تجربة انتقالية حتى الآن.

من حق بعض اللبنانيين أن يفرحوا باستقالة سعد الحريري، لكن معظمهم يدرك أن هذه الاستقالة، جزء بسيط من طريق طويل نحو التحرر من نظام المحاصصة، وأنهم يحتاجون وقتاً وصبراً وجهداً. والمؤكد أن القوى المستفيدة من استمرار هذا النظام ستقاتل حتى اللحظة الأخيرة من أجل إدامة هذا الوضع. من حق العراقيين أن يفرحوا مؤقتاً بإعلان عبدالمهدي الاستقالة، لكنهم يواجهون نظاماً طائفياً صار مترسخاً، في العديد من المؤسسات، والأخطر أنه مدعوم من إيران، التي لن تقبل بانهيار هذا النظام بسهولة، لأن سقوطه يعني خسارتها لكل ما بنته منذ عام ٢٠٠٣.

يدرك الكثير من اللبنانيين أن المشكلة ليست في شخص سعد الحريري، بل ربما أن مسارعته للاستقالة قد ساعدت على كشف المستفيدين من آلية هذا الحكم، الذين كانوا يريدون استمرار الحريري، حتى يغطي ورقة التوت، التي صارت هشة جداً.

ويدرك الكثير من العراقيين أن المشكلة ليست في شخص عادل عبدالمهدي، بل في النظام الذي يفرز هذه الأوضاع المزرية، ويقولب الأشخاص، حتى لو كانوا جيدين، ويعيد إنتاجهم بطريقة تضمن له الاستدامة.

المأساة في كل من العراق ولبنان أن القوى والشخصيات التي يفترض أن تبني النظام الجديد، هي نفسها المتهمة من غالبية الشعب بأنها سبب المأساة! وبالتالي فلا يمكن توقع بناء نظام مدني تعددي ديمقراطي حقيقي في ظل هذه الآليات والتشريعات والدساتير الراهنة.

ونتيجة لذلك، فإن كل القوى التقليدية المستفيدة من الأوضاع الراهنة سواء كانت في العراق أو لبنان، تسعى بكل السبل إلى المناورة وكسب المزيد من الوقت، وتقديم بعض الحلول الجزئية لإعادة تعويم أنظمتهم بأشخاص جدد.

السودانيون فهموا اللعبة وأصروا على «البناء على نظافة». لكن الوضع في العراق ولبنان يشير إلى أن القوى القائمة، تعمل على الالتفاف على خطاب الجماهير، بدعم إيراني واضح، في حين أن العقدة الجزائرية لا تزال مستمرة منذ شهور طويلة ولا تلوح في الأفق أي بوادر للعمل.

مشكلة العديد من الدول العربية ليست في الأشخاص بالدرجة الأولى، بل في السياسات والتوجهات والأولويات وشيوع ثقافة الفساد والاستبداد والجهل والتخلف، التي تعيد إنتاج هذه المنظومة، وبالتالي فإنه حتى لو تغير الأشخاص كل يوم، فالمشكلة مستمرة.

ما تفعله الشعوب العربية في العراق ولبنان والجزائر، وقبلها في السودان يشير إلى حراك جيد، لكن على الجميع عدم الرهان على الأحلام والتمنيات فقط، لأن الخصم قوي وسيحارب حتى آخر رصاصة من أجل الحفاظ على مكاسبه أو مفاسده!

* رئيس تحرير صحيفة الشروق المصرية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات