أوراق مخابراتية.. توقيت ملغوم

من البديهي أن تحرص الدول بلا أي استثناء على الحفاظ على أسرارها خاصة ما يتعلق منها بأمنها القومي وما يتصل بالعلاقات التي تقيمها مع الدول الأخرى ومع جهات أو حركات أو منظمات أو أفراد تسهم في خدمة أهدافها البعيدة الأمد.

و من هذا المنطلق تحيط هذه السياسات وما يتعلق بها من وثائق بأشد إجراءات الصيانة وتضع مدداً زمنية تصل أحياناً إلى عشرات السنين لرفع الحظر السري عنها حين تزول إلى حد كبير حساسيتها السياسية.

إلا أن ذلك لم يقف حائلاً أمام القدرات المخابراتية للدول الكبرى من اختراق جدران بعضها البعض، رغم أن هذه الاختراقات من النادر أن تخرج للعلن ما لم يكن هناك غرض سياسي مهم يكمن وراء ذلك، فقد شهدنا في السنوات الأخيرة فضائح كبيرة ومحرجة لهذه الدولة أو تلك من خلال ما تسرب عن وكالة الويكي ليكس وعن إدوارد سنودن من خفايا الاستراتيجيات الأمريكية.

ولكننا في موقف مختلف، فهناك أكثر من سبعمائة صفحة من وثائق المخابرات الإيرانية العائدة لعامي 2015 - 2014 تُسرب إلى موقع إنترسبت وإلى صحيفة النيويورك تايمز في توقيت لا يترك مجالاً للشك بأنه حدث يسبق أحداثاً أخرى آتية في سياق تطور الصراع مع إيران. الوثائق تتمحور حول دور إيران في العراق.

حيث تكشف وبالأسماء دور سياسيين وقادة أمنيين في التعاون مع المخابرات الإيرانية بطريقة تسيئ كثيراً لسيادة العراق. وهذه ثاني فضيحة كبيرة لاستهداف واختراق وزارة المخابرات الإيرانية بعد أن تمكنت إسرائيل في وقت سابق من التسلل إلى أرشيف الطاقة النووية الإيرانية والحصول على عدد كبير من الأقراص المدمجة حول أسرار البرنامج الإيراني، وتمكنت من شحنها إلى إسرائيل.

ومنذ أن نشرت هذه الوثائق تدور أحاديث متناقضة حول تسريبها، ومن يقف وراء ذلك، ومن المستفيد من ذلك، خاصة أنها تأتي في ظروف انتفاضة واسعة في العراق أبرز أهدافها موجه ضد وجود إيران لم يقتصر على التنديد به بل وصل إلى حد تخريب وحرق مكاتب الأحزاب الموالية لها ومحاولة حرق قنصليتها في كربلاء.

المتضرر الأبرز من نشر هذه الوثائق هي إيران فقد عمل هذا النشر على لفت أنظار العالم إلى حجم الدور السلبي الذي تلعبه في المنطقة وعن عمق تغلغلها في بعض دولها كما أحرق النشر أوراق العديد من حلفائها.

لا شك أن الانتفاضة قد استفادت من نشر هذه الوثائق فقد منحتها مشروعيتها وزادت من حجم التعاطف معها في ظروف هي في حاجة إلى من يدرأ مخاطر استهدافها.

فمنذ انطلاق شرارتها في الأول من أكتوبر طالتها بعض الألسن طاعنة ومشككة بوطنيتها ومفترضة وجود مؤامرة تقف وراءها جهات أجنبية للإطاحة بالنظام السياسي القائم. فرضية المؤامرة ضعيفة حتى لو حاولت بعض الجهات الخارجية الاستفادة منها.

فمن الظلم حقاً الانتقاص من وطنية الشباب المنتفض الذي له الحق كل الحق في تصعيد أساليب مطالبته بحقوقه بعد أن أخفقت الأساليب الأخرى في لفت اهتمام السلطات الحاكمة.

فهناك عوامل عدة تضافرت لإنضاج هذه الانتفاضة يقف على رأسها فشل السياسات التي تتبعها الطبقة السياسية الفاسدة التي حولت معظم الشباب إلى أناس هامشيين لا بارقة أمل لهم في الحياة. فقد تشكل على مدى سنوات طوال موقف جمعي رافض للعملية السياسية وناقم على الطبقة الحاكمة وكان من الطبيعي أن يتحول هذا الموقف الجمعي إلى فعل جمعي عندما تحين فرصة لذلك.

فلم لا يُتعب أنصار نظرية المؤامرة أنفسهم قليلاً ويبذلوا بعض الجهد للتعرف على ما يُعرف بـ «الظاهرة الجماهيرية»، وعما يكمن من مخاطر جراء عدم تفهمها وتجاهل تداعيات ذلك. ظاهرة حظيت بأقصى درجات الاهتمام في الأوساط السياسية والأكاديمية في القرنين التاسع عشر والعشرين في أوروبا.

وصدرت العديد من الدراسات الرصينة حول الأسباب التي تجعل من ولادة السلوك الجماهيري الجمعي والانخراط في حركات التغيير الكبرى أمراً ممكناً، وفي مقدمة هذه الدراسات وأقدمها كتاب «سايكولوجية الجماهير»، الذي نشر عام 1895 للمفكر الفرنسي غوستاف لوبون.

أزمة العراق مرشحة للمزيد من التصعيد في العنف، سيما وأن المنطقة الخضراء ليس لديها رغبة حقيقية في تقديم ما يقنع الشارع الثائر بالتهدئة، فالإصلاحات الترقيعية التي اقترحها رئيس الجمهورية، والتي رفضها المنتفضون تواجه صعوبات جمة في إقرارها في المجلس النيابي.

Ⅶ كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات