أمريكا الجنوبية على صفيح ساخن

تعيش دول أمريكا الجنوبية على صفيح ساخن، ليس فقط الدول التي شهدت تظاهرات وصراعات سياسية واقتصادية مثل فنزويلا وكولومبيا وبوليفيا والإكوادور، بل إن الدول الكبيرة والمستقرة منذ سنوات بدأت تعاني بشدة مثل شيلي التي كان ينظر لها باعتبارها «علامة على الاستقرار» السياسي والاقتصادي في أمريكا اللاتينية، ودولة عملاقة مثل البرازيل باتت تنتظر التظاهرات.

كما عبر عن ذلك الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو رغم أن بلاده عضو في مجموعة دول العشرين والبريكس، فماذا يحدث في أمريكا الجنوبية؟ وهل هي تظاهرات من أجل الخبز، أم أن دوافعها وأهدافها سياسية؟ وماذا عن دور واشنطن وموسكو في هذا الصراع؟

الجميع في أزمة

من ينظر لدول أمريكا اللاتينية يجد أن كلاً من النظم اليسارية والليبرالية تعاني أشد المعاناة في الآونة الأخيرة، فلا يستطيع نموذج اقتصادي أو سياسي الادعاء أنه الأفضل، فالتظاهرات التي اجتاحت تشيلي كانت ضد نظام رأسمالي ليبرالي، رفض المتظاهرون خطط الحكومة هناك لرفع أسعار البنزين، بينما التضخم وصل لـ5000 % في دولة يسارية مثل فنزويلا.

وتعاني جميع تلك الدول من فجوة كبيرة في الدخل بين طبقة الأغنياء التي لا تزيد نسبتها على 1 % من شعوب أمريكا اللاتينية وتستحوذ على 33% من الثروة بحسب تقرير البنك الدولي لعام 2018 الذي أشار إلى زيادة عدد الفقراء في دول مثل هايتى ونيكاراغوا وكولومبيا والإكوادور، وأن معدلات النمو في أحسن الحالات لا تزيد على 1.5 % في البرازيل والأرجنتين.

لكن هذه الفجوة بين الأغنياء والفقراء ليست السبب الوحيد في الاحتجاجات والتظاهرات وعدم الاستقرار في بلاد غنية جداً بالموارد الطبيعية، فدول مثل فنزويلا وبوليفيا لم تعترف المعارضة الليبرالية بنتائج الانتخابات التي جاءت برؤساء يساريين مثل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي لا تعترف به واشنطن و49 دولة أخرى.

بل اعترفوا بزعيم المعارضة الليبرالي خوان غوايدو كرئيس للبلاد احتجاجاً على نتائج الانتخابات الرئاسية الفنزويلية التي جرت في 2018، وهو نفس السيناريو في بوليفيا.

حيث اعترضت المعارضة الليبرالية الشهر الماضي على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أعطت ولاية جديدة لأول رئيس من السكان الأصليين «إيفو موراليس»، الأمر الذي دفع بحشود ضخمة انحاز لها قائد الجيش، مما أدى لفرار الرئيس موراليس إلى المكسيك.

سيناريوهات قادمة

تمهد هذه التظاهرات «لتحولات» سياسية واجتماعية كبيرة في أمريكا اللاتينية، لأن الأمر لا يقتصر على الغضب من سياسات التقشف أو رفع الأسعار، لكن بات هناك عدم ثقة في «الطبقة السياسية الحاكمة» وهذا يفسر المطالب بتغيير «جذري» في تلك المجتمعات، فقبل أسابيع قليلة كان السكان الأصليون والفقراء هم «البيئة الحاضنة» سياسياً واقتصادياً للرئيس البوليفي المستقيل.

لكن اليوم هناك طبقة سياسية واقتصادية جديدة تستعد للحكم في بوليفيا وكولومبيا والإكوادور وربما في البرازيل والأرجنتين، ويعد الإفراج عن الزعيم اليساري «لولا دي سلفا» في البرازيل خلال الأيام الماضية مقدمة لحلقة جديدة من الصراع بين الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو «اليميني والشعبوي» وبين الأحزاب اليسارية التي ترفض نهجه كاملاً في السياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية.

لكن ربما الأكثر إثارة هو أن التحولات السياسية في أمريكا اللاتينية سيعقبها تحول كبير في «العلاقات الدولية» فدول مثل بوليفيا وفنزويلا وهايتي وهندوراس، وكذلك كولومبيا وبيرو والإكوادور لها علاقات حصرية مع روسيا، والتطورات الجديدة ستغير وجه هذه الدول نحو الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن أي تحول كبير في البرازيل وتشيلي سيعيد هذه الدول إلى روسيا مرة أخرى.

عندما زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين البرازيل لحضور اجتماعات البريكس هذا الشهر قال «في الماضي كنا نزور دولة واحدة في أمريكا اللاتينية (كوبا) واليوم نزور دولاً كثيرة في القارة» ربما هذا التصريح خير دليل على الصراع القائم بين واشنطن وموسكو وبكين على أمريكا اللاتينية، فروسيا تقاوم اقتراب أمريكا وحلف الناتو من حدودها بالتقرب من دول «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة.

وهو ما دفع موسكو لإرسال منظومة دفاع جوي إلى كاراكاس خوفاً من غزو أمريكي لفنزويلا هذا العام، نفس الأمر بالنسبة للصين التي ترى في تدخل الولايات المتحدة في شؤون هونغ كونغ وتايوان وبحر الصين الجنوبي تهديداً لأمنها القومي، وترى أن علاقاتها الوثيقة مع دول أمريكا اللاتينية بمثابة «ورقة سياسية» يمكن أن تساوم بها واشنطن.

نعم ما يحدث في أمريكا اللاتينية سيؤدي لتغير كبير ليس فقط على المستويات المحلية لدول القارة، بل سيحدث تطورات هائلة سياسية واقتصادية على المستوى العالمي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات