تحدي البقاء والازدهار

لأسباب ما غير معروفة، أو لعلها معروفة لكننا لا نريد أن نقر بها، تم تهميش اللغة العربية في العديد من الدول العربية. لم تعد لغتنا الأم تحظى بالقدر الذي تستحقه من الاهتمام والرعاية. كما تتنامى أعداد الأهل الذين يعتبرون إتقان الصغار للغات الأجنبية دون العربية أولوية. والأدهى من ذلك أن قلة تعتبرها في درجة أدنى من حيث دواعي الإعلان عن الرقي وإشهار السمو.

وإذا كان أسمى ما يمكن للوطن أن يمنحه لمواطنيه هو تيسير تعلم لغته الأم والاعتزاز بها لأنها مكون رئيسي ليس فقط في الشعور بالانتماء، بل في فهم معنى الانتماء بنكهة الوطن المتميزة، فإن العقود القليلة الماضية شهدت ضغوطاً تعليمية وصرعات عنترية وغزوات ثقافية ألحقت الكثير من الأذى بلغتنا.

لكن لحسن الحظ أن الأذى قابل للتعديل وخاضع للعلاج. ولحسن الحظ أيضاً أن أحداثاً جساماً عدة دارت رحاهها في منطقتنا العربية دفعت الكثيرين إلى إعادة التنقيب في أصلهم وجذورهم وتاريخهم في رحلة استعادة هوية، وهو ما أدى إلى إعادة اكتشاف نقاط قوة عدة بينها اللغة العربية وقدراتها وملكاتها. ولأن التعديلات المنطقية والعلاجات الحقيقية لا تعتمد على نظريات رنانة أو نصائح صداحة فقط، فقد وجدت محاولات إحياء اللغة ومبادرات استعادة إتقانها صدى بالغ الإيجابية لدى كثيرين باختلاف فئاتهم العمرية وطبقاتهم الاجتماعية.

العديد من جهود وخطوات إصلاح التعليم وتحديثه في منطقتنا تضع اللغة العربية وطريقة تعلمها في مكانة الصدارة. وقد أيقن القائمون على أمر التعليم أن طرق التدريس العقيمة وأساليب التلقين السخيفة وتفريغ العملية التعليمية من محتواها الشيق أمور أدت إلى تشييد حواجز نفسية بين اللغة ومتعلميها. تحول تعلم اللغة العربية في عرف كثيرين من طلاب المدارس إلى «شر لا بد منه» وقبل الامتحان يتحول الشر إلى «بعبع لا فرار منه».

وتمضي جهود التحديث في دول عدة قدماً، وتدعمها سبل أخرى غير تقليدية جاءت من الإمارات التي عودتنا على العلاجات الثاقبة الحاذقة دون افتعال أو إغراق في الديباجات العقيمة. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية ومبادرة «تحدي القراءة العربي» تنطلق في أرجاء العالم العربي لرفع الوعي بأهمية اللغة العربية، لا بالخطب العصماء والأنشطة الجوفاء، ولكن بطريقة داويها بالتي كانت هي الداء. تدهور حال اللغة وتقهقر إتقان الصغار لها لأنهم يقرأون، فيعالج داء عدم القراءة بالقراءة.

المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في عام 2015 تهدف إلى رفع الوعي بأهمية اللغة العربية، وإعادة إحياء عادة القراءة لدى الطلاب العرب، وتحويلها إلى أسلوب حياة وخلق أجيال جديدة مثقفة. هذا الإنجاز العربي في دعم المعرفة لا يقف عند حدود مسابقة وتحدٍ يدخل فيه آلاف الطلاب والطالبات كل عام، حيث يلتهمون الكتب أملاً في الفوز، لكنه يمتد ليصل إلى ربط هؤلاء الصغار القادمين من كل الدول العربية ببعضهم البعض. هذا التنافس على أكبر كم من القراءة وأوسع مجال للمعرفة وأعمق فهم وفائدة للتعلم خارج أسوار المدرسة من شأنه أن يخلق جيلاً متنوراً مثقفاً ملماً بعلوم ومعارف مختلفة لا يقيدها كتاب مدرسي أو يحد من إبداعها منهج محدود.

محدودية السياسة وقسوة الأيديولوجيات المتناحرة وقصر نظر المصالح الآنية المتناقضة تتهاوى وتتقزم أمام كوكبة من الصغار سمت بنفسها واختارت أن تشق طريقاً اسمه طريق المعرفة والعودة إلى جذور القراءة باللغة العربية. وإذا كان بعض الطلاب والطالبات العرب من أبناء الجاليات العربية المقيمة خارج المنطقة العربية تحدثوا عن تنامي شعورهم بالانتماء وتصاعد ارتباطهم بلغتهم الأصلية، فإن الطلاب والطالبات العرب المشاركين والمقيمين في أوطانهم (أو النازحين إلى أوطان مجاورة) تطرقوا كذلك إلى شجون الانتماء ونوستالجيا الأصول.

ومع نوستالجيا الأصول العربية والانتماءات المنسية، تقف الفتاة السودانية هديل أنور على منصة التتويج لهذا العام. لم تقرأ 50 كتاباً كما هو منصوص عليه في شروط الاشتراك، لكنها قرأت 500. وهي لم تقرأ الكتب فقط، بل استوعبتها وهضمت ما ورد فيها من أفكار ومعارف، وأظهرت قدرة فذة في التعبير عما قرأته، فكراً ولغة.

اللغة العربية، التي يهرب البعض من تعلمها أو يتعالى عليها أو يعتبرها كماليات، هي المتوجة في كل عام في تحدي القراءة. يتم تتويجها لتعلن إنها باقية قوية معبرة عن تاريخ وحاضر ومستقبل أمم. هذا العام، رفع رايتها كل واحد وواحدة من مجموع 13.5 مليون طالب وطالبة عربي وعربية. وتستمر راية اللغة والمعرفة مرفوعة من عام إلى عام طالما هناك شباب وشابات راغبين في البقاء وطامحين إلى الازدهار، وطالما بقيت هناك مبادرات وتحديات، إنه تحدي البقاء والازدهار.

* كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات