رأي

موقف غير مستغرب

من فوجئ بالموقف الأمريكي المعلن من المستوطنات الصهيونية في الضفة الفلسطينية المحتلة، يمكن اعتباره محلّقاً بعيداً عن الواقع، أو أن جهاز اتصاله «خارج التغطية».

هذه دعوة للمستقبل؛ لا يجب أن نفاجأ من أي موقف أمريكي، ليس بسبب دونالد ترامب، الرئيس الأشد وضوحاً، إنما بسبب أمريكا نفسها، المرتبطة عضوياً بـ «إسرائيل».

لا جديد إذاً فيما أعلنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إذ يعتبر أن المستوطنات الصهيونية لا تنتهك القانون الدولي. لا نعرف ما الذي قرأه في هذا القانون الدولي ليُفهم منه شيء ما يناقض كل ما يراه العالم، بما في ذلك معظم أصدقاء «إسرائيل».

ليست كل دول العالم، وليست الأمم المتحدة والدوائر المحيطة بها، وليست المنظمات الحقوقية، ولا أوساط يهودية وازنة، ليس هؤلاء وحدهم يعتبرون الاستيطان غير شرعي، إنما الإدارات الأمريكية المتعاقبة، واسألوا أدراج الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض.

على كل حال، لم يكن الموقف الأمريكي مقنعاً أو محايداً، حتى مع تلك الإشارات شبه البروتوكولية، لكنه كان يحاول البحث عن مسافة تزيد قليلاً على الصفر عن «إسرائيل»، مراعاة لعلاقات أخرى مع العرب، ومراعاة لدور «راعي عملية السلام»، وإن بدت طوال الوقت كذبة لا يصدّقها حتى أصحابها.

من هنا، كان على وزير خارجية الولايات المتحدة أن يكون صريحاً وشفّافاً، ويمارس فضيلة النقد الذاتي، ولو لمرة في تاريخ أمريكا، ليقول إن أمريكا كانت منذ عقود تنتهك القانون الدولي، إذ إنها عارضت بناء مستوطنات «مشروعة».

في كل الأحوال، ليست غريبة هذه المواقف والقرارات الأمريكية المتّخذة حتى الآن، وتلك التي ستتّخذ في قادم الأسابيع والشهور، سواء بقي الواضح ترامب، أو جاء من هو أقل وضوحاً ليرتدي «مريلة الشيف» في مطبخ القرار الأمريكي.

«لا غريب إلا الشيطان»، وأولئك الذين يستغربون موقف دولة لو خيّرت بين أن تُجلَد أو أن يُخدش إحساس «إسرائيل» بحرف جر، لاختارت أن تُجلد.

هذا ليس مجرد تحالف، بل وراثة دور الحاضن والراعي لأداة وظيفية ما زالت تؤدي المهمّة بالمزاوجة بين تنفيذ مشروع عقائدي صهيوني معلن، وفي الوقت ذاته، خدمة الراعي والداعم وشريك الدور الاستراتيجي المولود من رحم «سايكس بيكو» و«القابلة» آرثر بلفور.

يبقى النصف المملوء من الكأس. على المدى البعيد نسبياً، ستكون المواقف الأشد عدائية في مصلحة فلسطين.. القضية الأشد والأوضح عدالة وحقّاً في التاريخ، مهما تجاهل البعض حقائق التاريخ.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات