تعزيز التسامح في مجمع الفقه الإسلامي

انطلقت فعاليات الدورة الرابعة والعشرين لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دبي تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، وهي المرة الرابعة التي تستضيف فيها دولة الإمارات العربية المتحدة المجمع، ما يترجم عناية دولة الإمارات بالفقه الإسلامي والخطاب الديني المعتدل، واستضافة المحافل والأنشطة والفعاليات التي تحتضن ذلك، لتؤكد دولة الإمارات بذلك قيمها الراسخة، ودورها الفاعل في العالم الإسلامي، وأنها منارة مشرقة للعالم أجمع.

لقد تناول مجمع الفقه الإسلامي في دورته الحالية قضايا عدة من مستجدات العصر، كما تناول التسامح في الإسلام، وأكد على ضرورته المجتمعية والدولية، والحاجة الماسة إلى العمل به في جميع المجالات، ومكانته الدينية الكبيرة، فهو مبدأ أصيل وردت أدلته في القرآن الكريم والسنة النبوية، فالنبي صلى الله عليه وسلم بُعث بالحنيفية السمحة التي لا إفراط فيها ولا تفريط، والإسلام دين السماحة، الذي جاء رحمة وهدى للعالمين.

وأشار مجمع الفقه الإسلامي إلى أن المسلمين مأمورون بالتسامح بين بعضهم البعض وبينهم وبين غيرهم، فالتسامح ركيزة أساسية في بناء العلاقات الإنسانية المتينة، سواء بين أبناء الوطن الواحد، أو بين المسلمين بعضهم مع بعض دولاً وشعوباً، أو بين العائلة الإنسانية الكبرى عموماً مسلمين ومسالمين، بحيث يتعايش الجميع بسلام واستقرار وتعاون على تحقيق المصالح المشتركة، والإنسان كما يقول العلماء كائن اجتماعي، لا غنى له عن المخالطة، فهو يحتاج على الدوام إلى سعة الصدر والتعامل السديد مع كل أحد، والتنزه عن الأسباب التي تؤدي به إلى تجاوز الخطوط الحمراء معهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام.

إن تأكيد مجمع الفقه الإسلامي على مبدأ التسامح ليسلط الضوء على حرص المسلمين عبر قياداتهم السياسية وعلمائهم الشرعيين ومحافلهم الدينية ومنابرهم الإعلامية على ترسيخ هذه القيمة المهمة، وبثها في المجتمعات، ومكافحتهم لجميع مظاهر التطرف والتشدد والغلو المنافية للتسامح، ليترجموا بذلك ما وصفهم الله تعالى به في قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}، كما يؤكد ذلك ما يزخر به الفقه الإسلامي من صور التسامح المبثوثة في شتى أبوابه في العبادات والمعاملات، ومن نظر في فروع الفقه وجد فيها قيماً أخلاقية وذخائر إنسانية قل لها نظير، فالناظر في أبواب العبادات يجد أمثلة كثيرة زاخرة بالتسامح، فالوضوء يسقط إذا احتيج للماء لسد عطش إنسان؛ سواء كان العطشان مسلماً أو غير مسلم، فعلى المسلم أن يسقيه وجوباً، ويتيمم إذا لم يجد ماء غيره، والصلاة يجب قطعها لإغاثة ملهوف أو غريق أو حريق، سواء كانت صلاة فرض أو نفل، ولو ضاق وقتها، إذ مصلحة إنقاذ الروح الإنسانية - مسلمة كانت أو غير مسلمة - مقدمة، فيبدأ بها المصلي وجوباً ثم يستأنف صلاته، ويجب قطع الصوم لإنقاذ آدمي مشرف على الهلاك بغرق أو غيره إذا لم يمكن للصائم تخليصه إلا بفطره، لتأكد حفظ النفوس، وهذه النماذج اليسيرة التي ذكرناها كلها في أعظم العبادات التي هي أركانٌ للإسلام كالصلاة والصيام، ما يؤكد على عناية الإسلام البالغة بترسيخ التسامح وحفظ الحقوق الإنسانية، ودور الفقهاء في ترسيخها في شتى أبواب الفقه، وتقديمها عند التعارض، عملاً بما يمليه عليهم تعاليم الإسلام السمحة التي جاءت رحمة للعالمين، والتي تؤكد أن الفقه الإسلامي فقه رحمة وسلام وتسامح.

إن الدور المنوط بالمؤسسات الدينية والمجامع الفقهية لإبراز التسامح وترسيخه ونشره كبير، عبر الخطب والدروس والفتاوى والندوات والمطبوعات والبرامج الإذاعية والتلفازية والإلكترونية وغيرها، وحسن تأصيل هذه القيمة والتدليل عليها وبيان طرق تطبيقها في الواقع المعاصر، وفي ضوء الانفتاح الكبير الذي يشهده العالم بسبب التقنيات الحديثة، مع كثرة الأطروحات التي تتناول هذا الموضوع من منطلقات واتجاهات مختلفة، مما يحتم على أصحاب الخطاب الشرعي الإسهام الفاعل في تقديم الخطاب الديني الوسطي المبني على التأصيل الشرعي المنضبط، الذي يعكس قيم الإسلام الناصعة وذخائره الإنسانية المشرقة.

إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى ترسيخ ثقافة التسامح، وتمكينها في المجتمعات، لإطفاء نيران الصراعات والحروب الدائرة، وإخماد أسبابها من تنازع وتعصب وطائفية وتطرف واستهتار بالأرواح وتغليب للمصالح الضيقة على المصالح العليا، وقد دعا مجمع الفقه الإسلامي إلى إدراج التسامح في مختلف المجالات، كالمناهج التربوية، والخطاب الديني، ووسائل الإعلام، وحث المتخصصين والمفكرين على الاهتمام بالكتابة عن التسامح، كما دعا الأمم المتحدة لتبني تشريعات وإبرام معاهدات ملزمة تجرم العنصرية والإقصاء والقبلية والتمييز العنصري.

كما أشاد مجمع الفقه الإسلامي بجهود دولة الإمارات لتحقيق التسامح والتعايش، وأثنى على سياستها المتميزة في ذلك، فالإمارات واحة أمن وازدهار ورخاء، يعيش في كنفها أكثر من مائتي جنسية من مختلف دول العالم، ينعمون جميعاً بالأمن والاستقرار والحياة الكريمة، متمتعين بحقوقهم، يجمعهم الاحترام والعيش المشترك، في أرض الإمارات وطن التسامح.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات