دروس من تجارب الانتفاضات الشعبية

من الخطأ وضع كلّ الحركات الشعبية العربية، التي حدثت وتحدث خلال عقدٍ من الزمن، في سلّةٍ واحدة، ثمّ تأييدها والتضامن معها تبعاً لذلك.

فالمعيار هو ليس وجود الحراك الشعبي فقط أو انتهاج سياسة معارضة، بل الأساس لرؤية أيٍّ منها هو السؤال عن وضوح هدف هذه الانتفاضات، ثمّ عن هويّة القائمين عليها، ثمّ عن الأساليب المستخدَمة لتحقيق الهدف المنشود.

فمنذ انطلاقة الأحداث التونسية أولاً في أواخر العام 2010، ثمّ ما تبعها لاحقاً في عدّة بلدانٍ عربية، تأكّدت أهمّية التلازم المطلوب بين ثلاثية «الهدف والأسلوب والقيادات» في أيِّ حركة تغييرٍ أو ثورة شعبية، وبأنّ مصير هذه الانتفاضات ونتائجها سيتوقّف على مدى سلامة هذه العناصر الثلاثة معاً. فالتغيير السياسي، وتحقيق الإصلاحات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية، هو أمرٌ منشودٌ ومطلوب.

لكن عن أي تغيير نتحدّث ومن سيقوم بالتغيير وكيف. وما هو البديل المنشود؟ وما هي تأثيراته على دور هذه البلدان وسياساتها الخارجية...؟ كلّها أسئلة لم تحصل إجاباتٌ واضحة عنها في معظم أحداث ما يسمى بـ«الربيع العربي»، رغم أنّها مهمّةٌ جداً لفهم ما حدث ويحدث من تطوّرات هامّة تشهدها المنطقة العربية لعقدٍ من الزمن تقريباً.

أيضاً، المشكلة في الموقف من هذه الانتفاضات أنّ المعايير ليست واحدةً، فصحيحٌ أنّها انتفاضات تحدث على الأرض العربية وتترك تأثيراتها على المنطقة بأسرها، لكن ما هو معيارٌ شعبيٌّ عربيٌّ عام لدعم هذه الثورة أو تلك يختلف ربّما عن معيار أبناء الوطن نفسه.

إنّ حركات التغيير العربية تحدث في منطقةٍ تتحرّك فيها قوًى إقليمية ودولية عديدة، لها أجنداتها الخاصة، وتريد أن تصبّ «تغييرات» ما في مصالحها، فضلاً عن حدوث هذه الانتفاضات بعد أن مضت مؤخّراً سنواتٌ عجاف، جرى فيها إطلاق الغرائز الانقسامية الطائفية والمذهبية والإثنية على امتداد الأرض العربية، من محيطها الأطلسي إلى خليجها العربي.

وقد يكون الأهمّ في ظروف هذه الانتفاضات، وما يحيط بها من مشاريع، هو وجود إسرائيل نفسها ودورها الشغّال في دول المنطقة، إضافةً إلى مواصلة التهميش الحاصل عربياً ودولياً للقضية الفلسطينية.

وإذا كانت أيّة دولة تعني مزيجاً من (الحكم والشعب والأرض)، فإنّ السؤال الهام، الذي يُطرَح أمام المتغيّرات الحاصلة في أيٍّ من الدول العربية، هو: كيف الحكم، لأيِّ شعب، على أيِّ أرض؟!! علماً أنّه مهما جرى من اختلافٍ على طبيعة الحكم، فإنّ الحسم مطلوبٌ أولاً هو لوحدة هذا الشعب، ولحرّية ووحدة هذه الأرض.

السؤال المركزي هو: التغيير في أيِّ اتجاه؟ هل نحو مزيدٍ من السوء والتدهور والانقسام، أم سيكون التغيير استجابةً لحاجات ومتطلّبات الشارع العربي ببناء مجتمعٍ أفضل؟!

هنا يظهر التلازم الحتمي بين الهدف والأسلوب في أيِّ عمليّة تغيير، كما تتّضح أيضاً المسؤوليّة المشتركة للأجيال المختلفة. فلا «الجيل القديم» معفيٌّ من مسؤوليّة المستقبل، ولا «الجيل الجديد» براءٌ من مسؤوليّة الحاضر. كلاهما يتحمّلان سويّاً مسؤوليّةً مشتركة عن الحاضر والمستقبل معاً.

واقع الحال العربي الآن يقوم على مزيجٍ من هواجس خوف على أوطان مع بوارق أمل من شعوب. وما حدث ويحدث داخل أوطان الأمّة العربية من مشرقها إلى مغربها، وفي عمقها الأفريقي، هو دلالةٌ هامّة على نوع وحجم القضايا التي عصفت لعقودٍ طويلة، وما تزال، بالأرض العربية.

وهي كلّها تؤكّد الترابط الحاصل بين الأوضاع الداخلية وبين التدخّلات الخارجية، بين الهموم الاجتماعية والاقتصادية وبين فساد حكومات سياسية، بين الضعف الداخلي الوطني وبين المصالح الأجنبية في التدخّل بشؤون الأوطان العربية.

ولعلَّ أهمّ دروس هذه القضايا العربية المتداخلة الآن هو تأكيد المعنى الشامل لمفهوم «الحرّية» حيث إنّ الحرّية هي حرّية الوطن وحرّية المواطن معاً، ولا يجوز القبول بإحداها بديلاً عن الأخرى.

فالمسألة هي ليست في رفع شعارات وترديد هتافات فقط، بل هي في كيفيّة الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي في كلّ بلد، وبضمان أنّ طريق الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لن يمرّ في نفق الصراعات الأهلية أو تجزئة الأوطان أو إخضاعها للسيطرة الأجنبية!

ولا يجوز طبعاً أن تكون «الأساليب» السليمة مطيّةً لأهداف ومشاريع وقيادات غير سليمة، تعمل على سرقة تضحيات حراك الشباب العربي وتُعيد تكرار ما حدث سابقاً في المنطقة العربية من تغييرات، كانت تحدث من خلال بعض الانقلابات العسكرية أو الميليشيات المسلحة ثم تتحوّل إلى أسوأ ممّا سبقها من واقع.

فحبّذا لو يترافق مع أيّ حركة تغيير عربية لاعُنفية أو أيّ حراك شعبي عربي سلمي، وضوحٌ في الأهداف، وفي برامج العمل.

وفي هُويّة القيادات وطبيعتها، فربّما يشكّل ذلك حدّاً أدنى من الاطمئنان المطلوب لدى عامّة الناس، ويحول دون حرف الأمور والأهداف عن مسارها الأصلي المنشود، فالتغيير السليم هو ليس كَحَال من يصطاد في البحر ويجهل ما ستحويه شبكته بعد حين. إذ إنّ جوع الصياد وحده ليس هو المعيار!

Ⅶ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات