ملء فراغ «داعش»

قتلوا بن لادن لكن «القاعدة» لم تمت. وتقاتلت جماعات دينية سياسية في سوريا فمات من مات وهزِم من هُزم، لكن الفرقة الطائفية والخلافات السياسية لم تمت أو تهزم. وقتلوا البغدادي، لكن «داعش» وإن اندثرت، لن تموت. وإن ماتت إسمًا ستبقى حية كفكرة. وإن خمدت الفكرة حينًا أو انزوت أو دخلت بياتًا تكتيكيًا، فإنها لم تختف أو تتبخر في الهواء.

هواء الشرق الأوسط ليس هواء تقليديًا. مكوناته لا تتوقف عند حدود الأوكسجين والنيتروجين وثاني أكسيد الكربون، بل يحوي أفكارًا معطوبة، وفراغات معيوبة وثاني أكسيد تطرف الفكر وانغلاق العقل وتحريم الاجتهاد وتجريم الابتكار وتكفير التفكير. وكل ما سبق مواد خام للإرهاب. وبتوافر المادة الخام للإرهاب، سواء كانت بفعل فاعل حيث أياد خارجية ومؤامرات كونية، أو بوصفات محلية تم طهيها ونضجها في عقر ديارنا، نبقى ندور في دوائر مغلقة لا يكسرها مقتل زعيم فكري تكفيري أو يفلها جيوش جرارة تحارب جماعات مقاتلة متصارعة.

وإذ كان الحديد لا يفله إلا الحديد، فالفكرة لا تفـــلها إلا الفكرة. وكل من يظن أن الأفكار مهما بلغت من جنون ودموية يمكن إنهاؤها بطلقة في الدماغ أو طعنة في القلب، فهو مخطئ.. قد يموت حامل للفكرة أو مروج لها، لكن الفكرة تتناقل وتتكاثر، بل وتكتسب شرعية وتحظى بمزيد من القبول.

غير مقبول بالطبع أن يٌترك قاتل محترف حرًا طـــليقًا. وغير منـــطقي أن نغض الطرف عن زعيم عصابة ماض قدمًا في تجــنيد المزيد من الأيدي العاملة المتخصصة في الذبح والخبيرة في شؤون الترويع. التداخلات الجراحية مطلوبة لاستئصال الجزء غير القابل للعلاج من الجسم. لكن استئصال العضو المريض لا يعني بالضرورة أن الجسم لم يعد عليلاً، وأن الفكر صار سليمًا.

سلامة التعامل مع ما ضرب الشرق الأوسط من فكر متطرف وصل حد التكفير وبلغ أقصاه من حيث التنفير ورغم ذلك يحظى بتأييد الكثيرين من المغيبين يكمن في تكامل العلاجات. وكما أن قتل «بن لادن» كان ينبغي أن يكون البداية لمواجهة خراب الفكر وتشويه الدين، فإن مقتل البغدادي ينبغي أيضًا أن يكون البداية لمجابهة الفكر الداعشي المتوغل في منطقتنا. وهو تارة واضح صريح يحمل راياته السوداء ويتفاخر بخبراته في الذبح وقدراته في ترويع المدنيين وتفتيت الدول وإنهاك الجيوش، وتارة أخرى يبزغ وسط حديث عادي لصديق هنا أو معرفة هناك.

تطرف الفكر والتشدد في التفسيرات الدينية والتشبث بمفاهيم بالغة التطرف وتفسيرات أبعد ما تكون عن سماحة الدين المعروفة تمكنت من عقول قلوب كثيرين في منطقتنا. هؤلاء لا يمشون في الشوارع ملوحين بأعلام داعش، ولا يرتدون السواد، أو يقيمون حد الردة في السوبر ماركت بينما يتسوقون أو يعلنون منطقتهم السكنية إمارة إسلامية بالضرورة. لكنك قد تفاجأ بما تحمل عقولهم من انغلاق تجاه الآخر، ورفض للمعتقدات والأفكار المختلفة، وإصرار على امتلاك أحادي للحقيقة وتكفير الآخر واعتباره عبئاً ثقيلاً وهمًا عظيمًا.

عظمة الأفكار تنبع من قدرتها على المواجهة والمجابهة دون اضطرار لإراقة الدماء. وإذا كانت الفكرة من «داعش» و«القاعدة» و«جماعة الإخوان» وأبناء عمومهم لم تقنع بالفكرة، بل اعتنقت التكفير والترهيب والترويع لكل من عارض الفكرة، وهو ما يدل على ضعف الفكر وفراغ المحتوى، فإن غيرها قادر على الإيمان بالأفكار وقدرتها على النفاذ عبر الإقناع بالحجة والبرهان، والرهان على الطبيعة الإنسانية الميالة للأمن والأمان والسلام.

هذه الأفكار قد تكون تخطيطاً سليماً لمستقبل ما يزيد على نصف سكان العالم العربي من الشباب. وقد تكون تطويراً وتحديثاً في محتوى التعليم ليصبح مواكبًا وسابقًا للتغيرات المتسارعة الطارئة على الساحة الرقمية. وقد تكون توسيع هوامش التسامح وقبول الآخر والاحتفاء بالاختلاف. وقد تكون تنمية للقدرات وبناء للملكات وتطويراً للمواهب. وقد تكون فتح الآفاق أمام التفكير النقدي المسؤول المبني على ركائز فكرية وعلمية معتبرة. وقد تكون هدم القيود المصطنعة والقلاع المشيدة حول تجديد الخطاب الديني وتحويله إلى قوة بناء وعنصر إيجابية بدلاً من صورته الحالية كعامل من عوامل الرجعية والتخلف.

وقد تكون الفكرة صحوة بحثية حيث علاج الأمراض وابتكار الحلول واكتشاف ملكات الفيزياء والكيمياء التي لم تكتشف بعد هي القادرة على نقل الدول من كيانات مُستَهلِكة مُستَهلَكة إلى أمم تمتلك العلم وتنهض بالبحث.

رحل البغدادي عن عالمنا، وقبله رحل بن لادن، وبين هذا الرحيل وذاك انهارت جماعات ظلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين. لكن الرحيل لا يعني تبخر الأتباع والمريدين والمغسولة أدمغتهم بفكر سرطاني. وبينما «داعش» يكثف جهوده للبحث عن خليفة، على عقلاء العالم العربي أن يكثفوا جهودهم ليس فقط لملء فراغات الدواعش وأبناء عمومهم الفكرية والفعلية، لكن عليهم كذلك أن يأخذوا زمام المبادرة لقيادة شعوب المنطقة، وأغلبها شعوب شابة نحو مستقبل يليق بهم وبالمنطقة التي كانت منارة قبل أن تتحول إلى مغارة للتطرف والصراع.

* كاتبة صحفية

طباعة Email