أردوغان وطريق الإنقاذ المسدود

يوماً بعد يوم، يكتشف أردوغان أن غزو سوريا الذي ظن أنه سيكون حلاً لكل مشكلاته، قد يتحول إلى الفخ الذي يضاعف أزماته ويستنزف ما تبقى له من قدرة على البقاء!!

قبل الغزو كانت الأزمات الداخلية تحيط بالرجل، وكان السير في الطريق «الإخواني»، قد بدد كل الرصيد الإيجابي لحزبه الحاكم، وكانت الأوهام السلطانية قد جرته إلى الانتقال من منطقة «صفر مشكلات» التي كانت شعاراً للسياسة التركية ذات يوم، إلى منطقة افتعال المشكلات مع كل القوى الأساسية في المنطقة، بعد أن وضع تركيا في موقف الداعم الأكبر لكل عصابات الإرهاب الإخواني الداعشي.

وعندما دخل بقواته لاحتلال شمال شرق سوريا كان يظن أنه سيجد الحل لكل أزماته، وسيجد التمويل لخزانة تركيا الخاوية، وسيجمع الشعب التركي حوله «أو حول الجيش التركي» متناسياً الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها. وكان يتصور أن «الكارت الأخضر» الذي ظن أن أمريكا قد منحته لغزو سوريا يعني إطلاق يده ليتحول من «السلطان الحائر» إلى «الغازي العثمانلي الجديد».

كان أردوغان يعرف أن القوة المسلحة للأكراد محدودة، ومع هذا حشد جيوشه ليعطي الانطباع للشعب التركي أنه ذاهب لحرب ضروس، وليقول لكل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية أنه ذاهب ليبقى، ولم يكن عبثاً أن يترافق الغزو مع نشر خرائط مناطق النفوذ التي يريد أردوغان استعادتها على حساب دول المنطقة (!!) ولم يكن مصادفة أن نسمع الحديث التركي عن الحقوق التاريخية لتركيا في المناطق التي كانت ضمن حدود السلطنة العثمانية!!

كان أردوغان يظن أن كل الظروف قد تهيأت أخيراً ليسجل نجاحاً تعثر كثيراً، وكان يتوهم أن «الكارت الأخضر» الذي ظن أنه حصل عليه من أمريكا لا يعني فقط أن يرث نفوذها في سوريا، بل أن يحصل على دعم واشنطن في كل مشاريعه بعد فترة اضطراب في العلاقات معها.

ولم يخف أردوغان سعادته وهو يبدأ عملية الغزو، بينما الرئيس الأمريكي ترامب يتخلى عن حلفائه الأكراد مبرراً ذلك بأنهم لم يحاربوا مع أمريكا في معركة «نورماندي» أثناء الحرب العالمية الثانية!! وتزداد سعادته وروسيا صامتة وأوروبا تكتفي بالإدانة!!

لكن الوقائع على الأرض كانت تعطي صورة أخرى. لم يصبح أردوغان اللاعب الأول أو الأكبر كما توهم، وبات واضحاً أنه دخل في لعبة أكبر منه، وفي صراع هو إحدى أدواته فحسب!! بينما تبقى روسيا هي المتحكم في الحركة على الأرض، وتبقى أمريكا «التي توهم أردوغان أنها ستعطيه أوراقها» محتفظة بالأوراق التي تجعلها شريكة أساسية في القرارات الحاسمة والتسويات المقبلة.

لم يفهم أردوغان من البداية أنه عند الاتفاق على وقف إطلاق النار وضعته أمريكا على قدم المساواة مع الطرف الآخر الذي مثله مظلوم كوباني زعيم الأكراد السوريين (!!) ولم يدرك أن دوره - بالنسبة لأمريكا - يماثل دور قوات سوريا الديمقراطية الكردية في مرحلة سابقة تحالفت فيها مع أمريكا، الآن يصرخ أردوغان مهدداً أعضاء الكونغرس الأمريكي بالويل والثبور، لأنهم يدعون مظلوم كوباني للتباحث معهم في أمريكا، ويفهم أن زيارة كوباني لن تكون فقط لترميم العلاقات مع الأكراد، وإنما ستكون فرصة لإثارة قضية «جرائم الحرب» التي ارتكبتها القوات التركية وحلفاؤها من الإخوان والنصرة أثناء الغزو بالإعدامات خارج القانون واستخدام «الفوسفور الأبيض» المحرم دولياً في الهجوم على السوريين.

وتصور أردوغان أن الغزو يمكنه من وضع يده على البترول السوري في هذه المنطقة، وأنه سيوفر ما كان يدفعه مقابل شراء البترول المنهوب حتى وإن كان ذلك يتم بسعر بخس.. فإذا به يرى ترامب يعلن أنه سيترك عدداً قليلاً من الجنود الأمريكيين رغم الانسحاب لحراسة آبار البترول ثم لتسليمها للأكراد السوريين.. ربما تعويضاً عن الغدر الذي تم بحقهم، أو لاستبقاء ورقة ضغط مهمة على النظام السوري!!

وبينما وزير الدفاع الأمريكي إسبر يعلن أن تركيا تسير في الطريق الخاطئ ويصف الغزو التركي بأنه غير مبرر، بينما كانت روسيا تعلن عن ضرورة خروج كل القوات الأجنبية غير الشرعية من سوريا، موضحة أن الجنود الروس وحدهم يرابطون في سوريا بطريقة شرعية، وبدعوة من الحكومة السورية.

وبينما لا يجد أردوغان لديه إلا إطلاق التهديدات باستئناف الغزو، أو ممارسة الابتزاز نحو أوروبا متوعداً بإرسال المهاجرين السوريين إليها، يتلقى ضربة قاسية من المبعوث السابق للتحالف الدولي ضد داعش بريت ماكجورك، حين يؤكد أن داعش كانت تحت الرعاية الأردوغانية، وأن 40 ألف داعشي قدموا من 110 دول إلى مطارات تركيا، ومنها لعبور الحدود السورية ليدمروا ويقتلوا ويقيموا دولة الخلافة المزعومة التي يسعى أردوغان والإخوان - بالغزو لشمال شرق سوريا - إلى إعادة الحياة إليها!!

يبدو أردوغان كمن وقع في «مصيدة» صنعتها أوهام استعادة «السلطنة» والأفكار الإخوانية المريضة والمدمرة، تصور الرجل أن الغزو سيجعله بطلاً قومياً، ماذا سيفعل حين يجد أن الهروب للخارج لن يجدي نفعاً أمام السقوط في الداخل؟ وكيف ومن أين سيسدد فواتير المغامرات الفاشلة؟.. قد يجد من يدفع المليارات لتسديد الفواتير المالية، لكن الفواتير السياسية لن تجد القادر على سدادها!!

* كاتب صحافي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات