واشنطن.. تراجع مستمر في الشرق الأوسط

الرئيس الأمريكي يصدر قراراً بسحب قوات بلاده من سوريا مع الاحتفاظ بقاعدة المثلث الاستراتيجي في التنف، قرار سبق أن اتخذه في مرحلة سابقة وتراجع عنه بعد أن لاقى في حينه معارضة شديدة من قبل طاقمه وعلى رأسهم وزير دفاعه آنذاك جيمس ماتيس لتعارضه مع الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.

وقد سبق للخارجية الأمريكية أن أكدت في حينه بقاء القوات الأمريكية في سوريا إلى أجل غير مسمى في إطار إستراتيجية طموحة تتجاوز الحرب على تنظيم داعش إلى الوصول لحل سياسي للأزمة السورية وفق مسار جنيف.

القرار لا يعني التخلي عن قتال داعش في سوريا تاركاً المهمة لكل من روسيا وتركيا فحسب، بل يعني ما هو أخطر من ذلك وهو رفع الحماية عن قوات سوريا الديمقراطية الحليف الوحيد للولايات المتحدة في سوريا الذي اعتمدت عليه بشكل رئيسي في الحرب على داعش وتركها تحت رحمة تركيا التي لم تخفِ نواياها المضمرة إزاءها.

ويشكل الأكراد غالبية هذه القوات غير المرحب بها من قبل الجميع تقريباً بما فيهم النظام السوري وقوى الثورة السورية المعادية للنظام، معتبرين حزب الاتحاد الديمقراطي (بي واي دي) الحزب الكردي الأقوى في سوريا فرعاً من حزب العمال الكردي التركي (بي كي كي) المصنف من قبل بعض الدول ضمن المنظمات الإرهابية.

لم يلقّ قرار الرئيس الأمريكي سوى الاعتراض والغضب الشديدين في الكونغرس جمهورييه وديمقراطييه ومن حلفائه الأوربيين، ولم يلقَ استحساناً سوى من جانب تركيا التي رحبت به على طريقتها الخاصة.

حيث باشرت باجتياح الأراضي السورية شرق نهر الفرات للوصول إلى عمق ثلاثين كيلومتراً لتكمل بذلك الشريط العازل على حدودها الجنوبية خالياً من قوات سوريا الديمقراطية. اجتياح ما كان ليحصل لولا ضوء أخضر أو في القليل ضوء أصفر من الولايات المتحدة ومن روسيا وربما من النظام السوري.

من البديهي أن الرئيس لم يستأنس بآراء مؤسساته فغضبها يكشف عن ذلك، فهو كما في مناسبات سابقة يتصرف كأي حاكم في نظام توليتاري يتخذ قرارات خطيرة لصالح بقائه في الحكم، فهو يعمل على تعزيز حملته الانتخابية وتحسين فرص نجاحه بتوظيف سياسات ومواقف بلده على الرغم من أنها لا تنسجم مع موقعها كقوة عظمى لديها استراتيجيات واضحة ومدروسة في جميع القضايا على مستوى العالم.

فقرار بالمستوى الذي أعلنه يُتخذ عادة بعد إجراء تقييم شامل للدور الأمريكي في القضية السورية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وانعكاسات ذلك على عموم التوازنات في المنطقة وهو مما لم يجرِ.

التخبط في السياسات الخارجية الأمريكية ليس بالجديد، فقد بدأ مع نهاية الحرب الباردة، حيث برز اتجاه يلقى دعماً وتأييداً متزايداً من قبل شرائح واسعة في المجتمع الأمريكي لا يحبذ انخراط الولايات المتحدة في صراعات مسلحة خارجية.

وقد تعزز هذا التوجه بعد الحربين اللتين خاضتهما الولايات المتحدة في أفغانستان وفي العراق، وهو ما استغله الرئيس ترامب في حملته الانتخابية، ويجد نفسه ملزماً للوفاء بالوعود التي أطلقها بهذا الشأن، وهو متربع على رأس السلطة.

إلا أنه وفي الوقت نفسه من الصعب على قوة عظمى كالولايات المتحدة النأي بالنفس عن أحداث وصراعات الشرق الأوسط، فهذه المنطقة كانت موضع اهتمامها واهتمام أوروبا منذ مطلع القرن العشرين.

لذلك تميل لا إلى الابتعاد كلياً عن صراعاتها بل المساهمة في التأثير على مسارات هذه الصراعات باقتراح حلول سياسية وممارسة ضغوطات دبلوماسية معززة عند الضرورة بقطعات عسكرية أرضية محدودة العدد وقوة جوية ضاربة.

التردد هو السمة المميزة لمواقف الولايات المتحدة من أزمة سوريا، فهي لم تحارب النظام القائم، ولم تصطف إلى جانب المعارضة، ولكن يبقى حضورها سياسياً في سيناريوهات مقاربة مستقبلها أكثر أهمية من حضورها عسكرياً في ميادين القتال مع النظام أو ضده.

انسحاب القوات الأمريكية رغم قلة عددها (قوة لا يتجاوز عددها الألفي جندي) يترك تداعيات سياسية مهمة على عموم التوازنات في سوريا وفي المنطقة.

ويمهد الطريق نحو تحولات في التحالفات الهشة القائمة، ويفسح المجال لمجيء أوضاع تقلق أمن إسرائيل، التي استاءت من هذا الانسحاب، ويقلق إيران من التغلغل التركي في أراضي حليفتها سوريا، ويضيف أعباء ومسؤوليات جديدة على روسيا الممسكة بملف مستقبل سوريا.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات