أسلحتنا الثقافية العابرة للحدود

السوق عامرة بشتى أنواع الأسلحة. دبابات، بنادق، قنابل، صواريخ، طائرات، قذائف. وهناك الأسلحة النووية الفتاكة، والبكتريولوجية أو البيولوجية المميتة، والكيميائية المدمرة. والمجال مفتوح: شركات منتجة، ودول مصدرة، وأخرى مستوردة، وجيوش مقاتلة، وجماعات متقاتلة، وشعوب «على كف عفريت» تعتقد أن أمانها الأكبر في اقتناء المزيد، أو ربحها الأوسع في تصدير أكثر. وهناك من الدول من تعدى مراحل المبتدئين في التصدير والاستيراد والاستخدام والاقتتال، وصار يؤطر للتصدير ويؤدلج للاستخدام. ومن الدول المصدرة من يضع قواعد «إنسانية» للبيع. توجَه أسئلة، وتُجرى دراسات، وتتبلور نتائج. من يقتل من؟ هل الأغلبية تنوي قتل الأقلية؟ هل الحاكم مصنف ديمقراطي يمكنه استخدام السلاح استخداماً رشيداً أم أنه ديكتاتور لا يؤتمن في مسألة القتل الرشيد؟ وهل يمكن عمل استثناءات أم يتم تطبيق قواعد التصدير بحذافيرها ضماناً للتوزيع العادل؟عدالة توزيع السلاح كلمات قاسية يصعب هضمها، لا سيما حين تكون حروب دائرة على قارعة طريقنا، وعلى أبواب بيوتنا أو البيوت المجاورة لبيوتنا. وبينما السوق تظل عامرة، وعمليات التسخين والإحماء تدور على مدار الساعة، وكلما خمدت نيران هنا يجري إشعال غيرها من القابعات على «دكة الاحتياطي» هناك، تبزغ الثقافة بمشتملاتها مُخَلصاً ومنقذاً ووقاية وحائط صد منيعاً جداً.

أحداث الأسابيع القليلة الماضية في مصر قالت لنا الكثير عن حتمية التثقيف وخطورة التجهيل والتغييب والإبقاء على منابع العلم والمعرفة والثقافة والابتكار والإبداع والبحث راقدة تحت تلال من الصدأ والخرف.

الصدأ الذي أحدثته جماعات تتحدث باسم الدين وهو منها بريء بات طبقات وطبقات، منها ما يظهر استعداداً للإزالة بالتنظيف، ومنها ما يثبت أنه ممسك بتلابيب المعدن الذي شوهه وأفسده. والخرف الذي تمعن جهات وقنوات ودول في المنطقة في زرعه وتثبيته باستخدام أدوات حديثة ووجوه إعلامية تبدو وكأنها مهنية وحديثة، رغم إنها موجهة وخبيثة تُرِك لسنوات طويلة ينهش في العقل الجمعي العربي.

والدول العربية، مع اختلاف تركيباتها ونوعية مشكلاتها وطبيعة التحديات وشدتها التي تواجهها في موجة الربيع العربي المنقلب خريفاً بائساً وشتاءً قارساً، إلا إنها تتفق وتتشابه في معاناتها الثقافية وافتقاد مكونات التثقيف المؤهلة للشعوب لتستقبل الألفيات وتندمج وتتعامل مع التغيرات التقنية والتحولات الاجتماعية والتقلبات العالمية التي تحدث دون سابق إنذار أو فرصة تأهيل أو إمكانية وقاية.

ولأن الوقاية خير من العلاج، والتقوية أفضل من علاج الآثار الجانبية الناجمة عن علاجات متسرعة، فإن الثقافة تبقى سلاح كل بيت وأسرة وشاب وكهل وشيخ. هذه الحقيقة يعيها الكثيرون في مصر في ضوء مجريات السنوات الثماني الماضية، وهي سنوات ما بعد تجربة هبوب رياح الربيع في الاتجاه المعاكس. ورغم هذا الوعي، لكن تواتر الأحداث من جهة، وترتيب أولويات إعادة البناء من جهة أخرى عطلا الدفع في طريق التثقيف والتنوير كثيراً.

لكن هوجة الفيديوهات العجيبة للمقاول الفنان والناشط المهندس وأقرانهما من مطاريد الفكر العشوائي والتوجه الفوضوي، وتلقف (وربما تبني) قنوات ودول في المنطقة لهذه الفيديوهات وإعادة تدويرها، والنفخ في محتواها الهرائي طيلة ساعات الليل والنهار والتعامل معها وكأنها وحي ثوري أو إبداع سياسي أو عبقرية محتوى، تعيد تركيز الضوء على أولوية التثقيف.

والتثقيف ليس تعليماً فقط، لكنه تنوير، وإلمام بمجريات العالم حاضره وتاريخه، وتفكير نقدي، وتشجيع فكري، وتنشيط لخلايا الابتكار وقدرات الإبداع، وتحفيز عملي للتفكير والتحليل والقراءة والفهم النقدي البعيد كل البعد عن جمود «لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي!» ذلك «الإفيه» العبقري الوارد في فيلم «الإرهابي» للثلاثي العبقري عادل إمام بطلاً ولينين الرملي مؤلفاً ونادر جلال مخرجاً. الإفيه جسد قوام الفكر الإرهابي المنبثقة منه جماعات التطرف الديني التي وأدت الثقافة وأجهضت الإبداع باسم الدين. فالجدل حرام والنقاش من الموبقات.

واليوم ما من سبيل للخروج من جمود الفكر وجنوح القلب وتيبّس الدماغ سوى الثقافة. ومصر وما لديها من تاريخ ضارب في العراقة والأصالة في مجال الثقافة قادرة، إن أرادت، على النهوض مجدداً ثقافياً. لكنها تحتاج الإرادة والإبقاء على الإيمان بحتمية وأولوية التثقيف حاضرة في أجندة الدولة وروزنامة الفنانين والكتاب والأدباء والعلماء. والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يألُ جهداً على مدار سنوات حكمه في تكريم الثقافة وأهلها، وتشجيعهم، وإرسال رسائل مباشرة وغير مباشرة حول دورهم في إعادة بناء الإنسان.

وحين طالعت قبل أيام اعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي،رعاه الله، رؤية دبي الثقافية الجديدة لتكون دبي مركزاً للثقافة وحاضنة للإبداع، وملتقى للمواهب ومنارة للأدباء والكتاب والمفكرين والباحثين والفنانين في شتى مجالات الإبداع زاد الأمل وتمدد. فالثقافة العربية لم تقتصر يوماً على دولة المنشأ، أو تحتفظ على مدار قرون بمناهل علمها داخل حدود.

سلاحنا الآني والمستقبلي هو الثقافة، جنباً إلى جنب مع قوتنا الدفاعية والتأمينية والردعية.

* كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات