مواجهة إيران في المنطقة العمياء

لا ينكر أحد قوة وفاعلية الخطوات الأمريكية والدولية بحق ميليشيات إيران والحرس الثوري، كما لا يمكن التقليل من قوة وذكاء العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على صادرات إيران وخاصة النفط مع تضييق الخناق على البنك المركزي والصندوق السيادي الإيراني.

لكن كل ذلك يمكن وصفه بالعمل في المساحات المكشوفة والمرئية، فماذا عن المساحات العمياء التي تحصل منها طهران على مليارات الدولارات، وترتكب فيها أبشع الجرائم؟ وكيف للمجتمع الدولي أن يقلل من الخيارات الملالية عبر تضييق أو إنهاء استغلال طهران للمساحات العمياء؟

 

الطرف الثالث

هناك من يسأل لماذا تبدو طهران صامدة في وجه العقوبات الاقتصادية رغم التأثير الهائل لهذه العقوبات في الداخل الإيراني وفي تمويل ميليشياتها في الخارج؟ الجواب عن هذا السؤال يكمن في ثلاثية التهريب والمقايضة والعمل خارج نطاق النظام المصرفي بالأموال السائلة.

فالعقوبات الأمريكية تستهدف النظام المصرفي الإيراني لكنها لا تفعل شيئاً أمام التعاملات النقدية المباشرة لصفقات بمليارات الدولارات تعقد في دول مثل تركيا والعراق وأفغانستان وباكستان وقطر، كما أن العقوبات حتى الآن لا تطال سلسلة طويلة من «الطرف الثالث» وهم عدد كبير من التجار والشركات والوكلاء الذين يعملون مع طهران سواء بالبيع أو الشراء.

فالمعروف أن هناك آلاف الوكلاء الذين يشترون لصالح طهران من كل دول العالم ويتم شحن تلك البضائع لتركيا وأفغانستان وباكستان.

ومن هناك تتم إعادة بيعها إلى إيران من دون المرور بالنظام المصرفي العالمي أو حتى الإيراني، وفي الوقت الذي تركز فيه العقوبات الغربية على النفط الإيراني تظل قطاعات اقتصادية بعيدة كل البعد عن أعين المجتمع الدولي، فمن ينظر إلى الحدود الأفغانية الإيرانية التي تسيطر عليها إيران من خلال بعض القبائل والوكلاء يتأكد أن هذه المنطقة مرتع لتهريب النفط مقابل حصول طهران على الذهب، وبعد ذلك تقوم طهران بشراء ما تحتاجه مقابل الذهب وليس الدولار.

لكن اللافت في هذا الأمر أن طهران تراهن على «إسالة لعاب» التجار والوكلاء من خلال عرض هذه البضائع بداية من البترول والبتروكيماويات والمنتجات الزراعية والفستق والسجاد «بأسعار أقل» من الأسعار العالمية التي كانت تعرضها قبل فرض العقوبات الأمريكية بداية من 4 نوفمبر 2018، فالبتروكيماويات وحدها وفرت لإيران خلال الشهور العشرة الأخيرة 9.7 مليارات دولار تم بيعها لأسواق وتجار قدموا من الصين وماليزيا وفق عدد من التقارير الدولية المتطابقة.

 

نموذج

ويمثل الاعتداء على أرامكو نموذجاً متكاملاً للعمل الإيراني في «المساحات العمياء» فإيران تنفي مسؤوليتها المباشرة عن العدوان، لكنها في ذات الوقت تشجع الميليشيات الحوثية على الاعتداء على المملكة العربية السعودية، وتبرر الهجوم ليل نهار، ولا تخفي سعادتها بل تشجيعها على ذلك الهجوم، ففي المنطقة العمياء لا تقول إيران إنها وراء الهجوم، وفي ذات الوقت لا تقول إنها ضد الهجوم.

فطوال السنوات الماضية وخاصة في الشهور القليلة المنصرمة كثفت إيران من العمل في مساحات «عدم اليقين» السياسي والعسكري والاقتصادي، وهي المساحات التي لا يمكن أن تتحمل فيها إيران المسؤولية رغم يقين الجميع أنها من تقف وراء هذه الأفعال الخبيثة.

فطهران هي من تسلح كل الميليشيات في العراق ولبنان واليمن، لكنها تنكر ذلك، وهي التي تخطط لكل العمليات الإرهابية بداية من استهداف البنية التحتية والمدنية للمطارات في المملكة العربية السعودية حتى وقوفها خلف هجمات أرامكو الأخيرة، وفي كل ذلك تنكر المسؤولية بل تروج للإنكار عبر رئيسها ووزير خارجيتها.

كما أن المساحات العمياء هي المساحات «ما بين الحرب والسلام»، فإيران تدعي أنها تريد الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، لكن في ذات الوقت هي من تراهن على تحقيق مكاسب عبر نظرية «حافة الهاوية» ونجحت طهران خلال أكثر من عام في خداع الأطراف الأوروبية الثلاثة الأعضاء في الاتفاق النووي المعيب، وجعلها تتمسك بهذا الاتفاق بل السعي لتعويض طهران عن الانسحاب الأمريكي عبر آلية أنستكس حتى جاءت اعتداءات أرامكو الأخيرة واكتشفت بريطانيا وفرنسا وألمانيا الخدعة الإيرانية.

إذا كان المجتمع الدولي جاداً في دفع إيران نحو التفاوض على اتفاق جديد عليه أن يحرم إيران من استغلال المناطق العمياء سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات