صورة الفلسطينيين.. محاولة للفهم

من غير الطبيعي أن تكون المشاحنات والمشادات الفلسطينية الداخلية لازمة، تكررها خطابات بعض المتابعين. وتقديرنا أن أصحاب هذه اللازمة المملة ليسوا سواء من حيث المنطقات والأهداف. فهناك أولاً، الغيورون على وحدة الصف الفلسطيني، الذين يضمرون لفت الانتباه إلى خطورة مشهد الانقسام على حاضر الفلسطينيين ومستقبل قضيتهم.

وهناك ثانياً، الذين يضخمون حجم هذا المشهد، عامدين إلى التسميم الدعائي وإظهار أن التباغض صفة لصيقة بالفلسطينيين، وصولاً لإقناع الخلق بأنهم إزاء أناس لا يملكون هوية جامعة ولا يستحقون العيش في دولة حرة ذات سيادة.

وهناك ثالثاً، من يضيئون حول المنازعات الفلسطينية ويلغون فيها، مستهدفين تبرير تخاذلهم عن نصرة الفلسطينيين بذريعة إنه لا يسعهم مساعدة شعب غير موحد وطنياً. وتصل المراءاة بهؤلاء إلى حد الاضطلاع بتحركات شكلية، ظاهرها العطف على «وحدة القوى الفلسطينية».. هذا مع أن يعضهم مسؤول تاريخياً عن أسباب الفرقة، يوم أنتجوا فصائل سياسية وبثوها في تضاعيف النظام السياسي الفلسطيني.

وهناك رابعاً، الذين يُبرزون صدوع البيت الفلسطيني في مداخلاتهم الإعلامية والسياسية بفجاجة، من باب المحاكاة والاقتداء أو التعامل مع أخبارٍ مثيرة جاذبة للانتباه. ولكنهم لا يلتزمون موقفاً مسبقاً من هذه المداخلات.

هذه المواقف الصادرة عن الأنصار والأعداء والمذبذبين المرائين تضطلع في مجملها؛ على غير اتفاق، بصناعة صورة نمطية بالغة السوء للاجتماع السياسي الفلسطيني وغاياته الوطنية. صورة ربما أظهرت الفلسطينيين كقطاعات بشرية شبه قبلية مفككة؛ ومع ذلك فإن هذه القطاعات أو الأقوام يدعون الأحقية في تقرير المصير كشعب واحد متكامل في كنف دولة مستقلة! ونحسب أنه لا شيء يخدم المنظور الصهيوني الإسرائيلي للفلسطينيين مثل صورة كهذه!

الأدبيات الصهيونية القحة تعرض الفلسطينيين على انهم ليسوا الآن ولم يكونوا سابقاً، وربما لن يصبحوا مستقبلاً، شعباً جديراً باستحقاق دولة. بل هم فلول وأشتات ينتمون للمحيط العربي، وقد توافدوا إلى «أرض إسرائيل» في تواريخ مختلفة. وبالطبع، لا تعبأ هذه الأدبيات بالإجابة عن هذا السؤال: لماذا ارتحلت هذه الفلول إلى (فلسطين) طالما أنها كانت، وفقاً للعقيدة الصهيونية ذاتها، أرضاً بلقعاً تمرحُ فيها الثعالب والثعابين إلى أن أحياها الصهاينة الأوائل والأواخر؟!

لا يفطن الصهاينة والإسرائيليون إلى إنهم يناقضون أنفسهم من حيث لا يشعرون (ولعلهم يشعرون)!. لذا نراهم يمضون بمنظورهم المعيب هذا إلى آخر الشوط. فيصنّفون الفلسطينيين جغرافياً ودينياً وطائفياً وأيديولوجياً، حتى ليظن المعنيون أنه لا يوجد في فلسطين عرب لهم سمت الشعب الواحد اسمه الشعب الفلسطيني..

غير المفهوم أن تُستدرج دوائر أخرى أدرى بشعاب فلسطين وشعبها، إلى معالجة شؤون الفلسطينيين بالمنطق ذاته. فتصريح عربي أو حتى فلسطيني المصدر، يغالي في الحديث عن تشظّي الفلسطينيين وافتقادهم الوحدة الوطنية، بدون أن يقارب أسباب هذه الظواهر بحيادية وموضوعية، من شأنه تصدير الصورة النمطية المقبضة.

يقيناً، سيجادل البعض هنا بأن الفلسطينيين ليسوا مبرأين من شبه الاشتباك والتعارض، التي تضفي بعض الصدقية على هذه الصورة المشوهة. هذا صحيح؛ ولكن عرض هذه الصورة ينبغي أن يواكبه ويصحبه بيان لحيثياتها الحقيقية. فغياب استقلالية فلسطين وشعبها، هو المحدد الجوهري لهذه الحالة من صعوبة التوافق والاتساق الداخلي. ولو نزعنا هذا المحدد؛ لو تصورنا أن الفلسطينيين يعيشون كخلق الله من الشعوب، مؤطرين في دولةٍ مستقلة، فلربما وقعنا على علائق وأنساق داخلية بينهم معاكسة تماماً لما نسمع ونرى.

الحق أنه ليس ثمة بالفلسطينيين عيبُ فِطري خِلقي خاص بهم، من دون الشعوب الأخرى، كشعوب (الشرق الأوسط) مثلاً، يسوقهم سوقاً إلى حيث التنازع والاختلاف الدائم. طبيعة قضيتهم المشهود لها بكثرة الأطراف والتعقيد غير المسبوقين تقريباً، تعُد مسؤولة إلى حد كبير عما يصيب سيرورة حياتهم من مشاحنات؛ وذلك إلى درجة تفوق المعدلات المعتادة بين يدي الشعوب المستقلة. وعليه، فإنه من التحامل والافتئات استثناء الحالة الفلسطينية بجرعة زائدةٍ من التبكيت واللوم على أوضاعها الداخلية القلقة، قبل وصولها إلى محطة الدولة.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات