وزارة تلو أخرى.. سلسلة إخفاقات

استقالة وزير الصحة والبيئة العراقي أماطت اللثام بشكل صريح عن أسباب الفشل والإخفاق الذي يلاحق الحكومات المتعاقبة في العراق الجديد.

فثمة إشكالية في الواقع السياسي العراقي تتكرر مع ميلاد كل حكومة منذ التغيير عام 2003. فرغم أنها تولد في رحم مجلس نيابي وفق عملية انتخابية دستورية تبدأ سريعاً بالمعاناة من تراجع رصيدها الشعبي، وازدياد عزلتها وبعدها عن الجمهور، وتعرضها للنقد والتجريح وطلب الرحيل.

ليست هناك صعوبات في التعرف على السبب الرئيسي لهذا النزوع الحتمي نحو الفشل والعزلة لهذه الحكومات، فهو ليس غير واحد من اثنين، فهذه الحكومات إما غريبة عن العراق أيديولوجياً وسيكولوجياً، رغم أنها جاءت بأصوات أبنائه السهلي الانقياد في حقبة انكسار حضاري، طغى فيه ظلام الجهل على نور المعرفة، فاختلطت قيم الولاءات الضيقة بقيم الولاء للوطن وتعالت عليها.

أو أنها ليست كذلك بل تغربت عنه بعد حين لفشلها في تحقيق الوعود التي جاءت بها لأسباب خارج إرادتها.

الوزارات المختلفة غير قادرة على النهوض بمهامها بسبب الفساد المالي والإداري واجهتا الفساد الحقيقي المسكوت عنه وهو الفساد السياسي، فالوزارات تتقاسمها القوى السياسية التي أحكمت قبضتها على العملية السياسية وعلى جميع مفاصل الدولة، بحيث أصبح تجاوزها ليس أمراً عسيراً جداً، فحسب بل إخلالاً بالمبادئ الديمقراطية!

من الصعب اتهام جميع من يشغل المقاعد الوزارية بالتعرض لكفاءته أو التشكيك بنزاهته، رغم أن بعضهم كذلك بامتياز، الوزير المستقيل من الكفاءات المعروفة والنزيهة كُلف بمسؤولية واحدة من أهم الوزارات لعلاقة مهامها بحياة الناس، خاصة بعد أن خاض العراق حروباً على مدى ثلاثة عقود تركت تداعيات خطيرة على بيئته، معالم الفساد في هذه الوزارة أكثر وضوحاً مما هي في غيرها، إذ تكفي زيارة واحدة إلى أحد المستشفيات والتجول في أرجائه أو سؤال أحد المراجعين عن مستوى الخدمات التي تلقاها للتعرف على ذلك.

دوافع الاستقالة هي التعرض للضغوط والابتزاز من قبل جهات متنفذة لم يتطرق الوزير إلى ذكرها في خطاب استقالته، والتعرض لحملة تشهير منظمة في وسائل التواصل الاجتماعي للتغطية على فساد هذه الجهات. فالأحزاب السياسية التي تسيطر على المسرح السياسي العراقي .

ومن يقف خلفها تُحكم هيمنتها على القنوات المالية في الوزارة عن طريق شبكاتها الاقتصادية التي تتحكم في عقود بناء المستشفيات وعقود توريد الدواء والتجهيزات الطبية الأخرى لتأمين حصولها على العمولات. وقد تولدت لدى الوزير القناعة في ظل هذه الظروف باستحالة القيام بأية إصلاحات واستحالة الاستمرار في العمل، فالاستقالة إقرار بالعجز عن مواجهة الفساد، وهي في هذه الحالة بمثابة إقالة.

الاستقالة رسالة إحراج لبقية الوزراء وبشكل خاص لرئيس الوزراء الذي لا شك أنه اطلع على التفاصيل الدقيقة لدوافعها فاكتفى برفضها ومنح الوزير إجازة مفتوحة ولم يتخذ أي إجراء.

وهنا لنا أن نطرح السؤال المحيّر: إن كان الوزير صاحب القرار الأول في وزارته ورئيسه التنفيذي الأول في العراق الذي بحوزته أوسع الصلاحيات وفق الدستور غير قادر على مواجهة الفساد ومافياته فمن هو القادر على ذلك؟ أو بالأحرى من الذي يحكم في العراق؟

الاستقالة حركت مياهاً ساكنة فقد سارعت قيادات سياسية إلى رفضها وإلى التحقيق في أسبابها واستخدام ذلك مدخلاً للتصدي للفساد في الوزارة.

ولكن كل ذلك لا يتجاوز الدعوات التي سبق لنا أن استمعنا إلى الكثير منها منذ أنشئ المجلس المشترك لمكافحة الفساد عام 2007 برئاسة الأمين العام لمجلس الوزراء وأعيد تشكيله بعد التظاهرات العارمة عام 2015 تحت مسمى المجلس الأعلى لمكافحة الفساد برئاسة رئيس مجلس الوزراء. أما على أرض الواقع فلم نلمس وجود إجراءات نابعة من نوايا حقيقية لاستئصال هذه الآفة.

في هذا السياق لنا أن نطرح ضرورة بزوغ ما يعرف بـ «الكتلة التاريخية» كحل لإنقاذ وطني يزيح الطبقة السياسية الفاسدة ويتجاوز من دون تحفظ ثوابت العملية السياسية ليقف الجميع خلف لافتة تحمل عنواناً واحداً هو الحفاظ على الوطن.

الكتلة التاريخية ليست خياراً يطرحه هذا الحزب أو ذاك قدر ما هي قناعة يجري التوصل إلى جوهرها في ظرف تأريخي خاص جداً تتراجع فيه جميع الخلافات الجانبية أمام خطر لا مفر من مواجهته جمعياً لأنه يتعلق بقدر الأمة ومصير الوطن.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات