تركيا وخيار البقاء في الناتو

شراء تركيا منظومة الدفاع الصاروخي الجوي الروسية المتقدمة «إس 400»، رغم معارضة واشنطن وحلف الناتو الشديدة، أدخلها في علاقات ملتبسة مع حلفائها التقليديين.

ففي أول رد فعل أمريكي لوصول أجزاء من هذه المنظومة الصاروخية إلى تركيا، ألغت واشنطن صفقة بيع المقاتلات المتطورة «إف 35» لتركيا، وطلبت من الطيارين الأتراك الذين يتدربون عليها مغادرة الأراضي الأمريكية، وقررت إقصاء تركيا من برنامج تصنيع هذه المقاتلة، واشنطن توقفت عند هذه الإجراءات فحسب، ولم تتخذ إجراءات عقابية أخرى.

البديل الذي تفكر تركيا به، هو شراء أحدث المقاتلات الروسية «سو 57»، التي أبدى الرئيس الروسي إمكانية ذلك، ونشرت وسائل الإعلام صور للرئيس التركي مع الرئيس الروسي وهما يتفقدان ميزات هذه المقاتلة.

وفي حال قررت تركيا الذهاب إلى هذا الخيار، فإنها توسع شقة الخلاف مع حلفائها التقليديين في حلف الناتو، الذين معظمهم في القارة الأوروبية المجاورة، والمستثمرون الأكثر إسهاماً في النمو الاقتصادي التركي، وتضفي المزيد من اللا يقين على مستقبل الناتو، ومستقبل التوازنات السياسية إقليمياً ودولياً، فالجيش التركي ثاني أكبر جيش في هذا الحلف.

أصبح السلاح الجوي بشقيه الهجومي والدفاعي، وبما يتصل بهما من منظومات لوجستية، أهم الأصناف القتالية في الجيوش الحديثة، التي أصبحت تميل استراتيجياً إلى التقليل من حجم الاشتباكات البرية بقوات المشاة، التي تتطلب تقديم الكثير من الضحايا.

وحين يصبح هذا السلاح التركي روسي الصناعة، ينتمي تصميمه وطرائق استخدامه إلى عقيدة عسكرية مختلفة في التعبئة وفي التكتيك عن المدرسة الغربية وعقيدتها القتالية، لم يعد الرحيل عن الناتو خياراً تركياً، بل خيار أطلسي.

الخلافات مع الولايات المتحدة ليست جديدة، فرغم أن تركيا كانت شديدة الالتصاق بحلف الناتو، ورؤاه السياسية خلال حقبة الحرب الباردة، إلا أن سياسات النظام التركي أغضبت حلفائه، بدءا من التدخل عسكرياً في قبرص، بحجة حماية الجالية التركية، والتوتر الدائم في علاقاتها مع اليونان، مع أنهما عضوان في الناتو.

ومع مجيء حزب التنمية والعدالة لسدة الحكم، اتخذت الخلافات منحى جديداً في أجواء نهاية حقبة الحرب الباردة، حيث وضعت الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة الخلافات بينهما في أطر جديدة. كما أن الحرب في سوريا قد قربتها نحو روسيا وإيران.

قرار الرئيس أردوغان شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية، واحتمال الذهاب إلى ما هو أبعد، ليس محض مناورة سياسية تكتيكية.

فقد استبق ذلك بالإعراب عن هذا التوجه، في مقال نُشر في العاشر من أغسطس 2018 في صحيفة النيويورك تايمز، استعرض فيه ما قدمته تركيا من خدمات للولايات المتحدة منذ دخولها حلف الناتو عام 1952، مقابل ما تلقته من إهمال وتعالٍ، اختتمه بالقول «إن على واشنطن أن تتخلى عن الفكرة المضللة، التي مفادها أن علاقتنا يمكن أن تكون غير ندية، وأن تتصالح مع حقيقة أن تركيا لها بدائل، إن عدم عكس هذا الاتجاه الأحادي، وعدم الاحترام، يدفعنا للبدء في البحث عن أصدقاء وعن حلفاء جدد».

وتأتي هذه التداعيات في العلاقات مع الولايات المتحدة ومع الحلفاء في الناتو، في الوقت الذي بدأ حزب أردوغان يواجه متاعب جدية في الداخل، بعد أن خسر رئاسة بلدية إسطنبول، التي شغلها منذ عام 1994، ولم تعد متاعب الاقتصاد التركي خافية، فمعدلات التضخم في ارتفاع، وسعر الليرة في تراجع، والديون الخارجية في ازدياد، ونسبة البطالة وصلت إلى ما يزيد على 10 %.

فمرحلة الرخاء الاقتصادي التي أبقت هذا الحزب في سدة الحكم منذ عام 2000، قد بدأت بالرحيل، في الوقت الذي تلقي انشغالاته العسكرية في الجوار السوري وفي مناطق أخرى بعيدة، خاصة في ليبيا، بالمزيد من الأعباء على الاقتصاد المتعب.

من جانب آخر، يعتزم سياسيون مرموقون مبعدون من حزب أردوغان، العودة إلى حلبة الصراع، على رأسهم الرئيس التركي السابق عبد الله غول، ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، لتشكيل حزب جديد، يتوقع المراقبون أن يضم عدداً من أعضاء حزب أردوغان نفسه.

كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات