الاختبار التونسي العسير

لم يعد السؤال المطروح الآن، هو لماذا نقضت حركة النهضة وعودها السابقة، بأنها غير معنية بالرئاسة، وأنها ستشارك فقط في الانتخابات التشريعية؟

وبمجرد أن أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس فتح الباب لتلقي طلبات المرشحين لرئاسة الجمهورية، حتى تقدمت حركة النهضة ـ الفرع التونسي لجماعة الإخوان - بطلب ترشيح نائب رئيسها «عبد الفتاح مورو» للموقع، فضلاً عن أكثر من مرشح آخر غير رسمي من أنصارها، والتابعين لنفوذها بينهم المنصف المرزوقي وحمادي الجبالي.

السؤال السابق، بات ساذجاً، لأنه يتجاهل أن ديدن جماعة الإخوان هو المخايلة والمراوغة والكذب وخلط الأوراق وانتهاز الفرص.

أما الوهم الذي قاد حركة النهضة إلى نقض عهودها، إضافة إلى العيوب الخلقية التي رافقت نشأتها، فهو المراهنة على الحجم الهائل من الاستفادة في المشاركة لثماني سنوات في حكم تونس عبر حكومات ائتلافية.

وفي هذا السياق دعمت وجودها الانتخابي في القواعد الشعبية في المناطق الريفية والمدنية الأكثر فقراً وتهميشاً، ساعدها على ذلك الفشل الحكومي في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تُحسن الأوضاع المعيشية للمواطنين من جانب.

ومن جانب آخر الانشقاقات التي حدثت في صفوف منافسها الأكبر حزب «نداء تونس»، فضلاً عن ضعف وعدم تماسك الأحزاب التونسية الأخرى، التي لم يسمح لها المناخ السياسي المتوتر بالعمل في واقع مستقر يكسبها مصداقية لدى الناخبين.

تضع «النهضة» في اعتبارها عنصراً مهماً، هو أن الجيش لم يكن له منذ استقلال تونس، دور في الحياة المدنية، لكن العامل الأكبر الذي تراهن عليه «النهضة» يظل هو الدعم الغربي المتمثل في الذهنية السائدة لدى مراكز القرار، في الدول الغربية وعدد لا يستهان به من مراكزها المخابراتية، الذي يزعم أن جماعة الإخوان، جماعة دينية معتدلة، يمكن استخدامها، في مكافحة الإرهاب الجهادي.

وهو تصور أثبتت التجربة المصرية، أنه ادعاء واهم، وأنه مجرد تقسيم أدوار بين التيارات التي ترفع رايات دينية، وأنه قبل هذا وبعده محض ذريعة للغرب لمواصلة تدخله الاستعماري في شؤون المنطقة.

السؤال المحوري الآن هو: هل ينجح التونسيون في إفشال مخطط النهضة، الساعي لاستيلاء جماعة الإخوان على منصبي رئاسة الجمهورية، ورئاسة البرلمان بعد أن هيأ لهم غرورهم أن فترة المشاركة قد ولت، وأن آوان المغالبة قد حان للتمكن من حكم تونس وتغيير هويتها المدنية وانتمائها العروبي، وطمس تاريخها الحداثي والحضاري؟

وبرغم أن الإجابة عن ذلك التساؤل تبدو مبكرة، لكن «نعم» عنه ليست مستحيلة. فحركة النهضة شأنها شأن جماعة الإخوان في كل مكان، راكمت خلال الأعوام الثمانية الماضية، ما يفقدها المصداقية لدى قطاع كبير من الناخبين، فبرغم زعم الحركة الفصل بين الجانب الدعوي والسياسي في نشاطها، بدأت من الآن في توظيف المساجد لعمل دعاية سياسية لمرشحيها رغم أن الحملة الانتخابية لم تبدأ بعد بشكل رسمي.

ولا يزال أمام القضاء اتهامات جنائية للنهضة باغتيال معارضيها، وبحيازتها لتنظيم سري مسلح، متهم بدعم أعمال إرهاب وعنف. والأهم من كل ذلك أن تنجح القوى المدنية في توحيد جهودها، خلف مرشح يمتلك من الفرص ما يستطيع أن ينافس به مرشح «النهضة» وتكثيف الدعاية حول عدم وجود فرق بين معتدلين ومتطرفين في التنظيمات الدينية، وتأكيد ما يلزم به الدستور الجميع، بأن الإسلام ليس مرجعية للحكم، بل هو ديانة للتونسيين.

لكن الأهم من ذلك هو التوعية بأن «النهضة» لا تؤمن بالدولة الوطنية، بل بالمشروع الأممي لدولتهم المتوهمة، كما أنها شأن جماعة الإخوان، لا تعترف بالحريات الفردية وسيادة دولة القانون والدستور، وبالقوانين المدنية، وتعد الديمقراطية، وسيلة للهيمنة على مقدرات الدول والشعوب.

يملك الشعب التونسي من الوعي والإدراك ما يدفعه لليقظة، إذا ما توارت المصالح الصغيرة للقوى السياسية، للنجاح في هزيمة مشروع النهضة لأخونة تونس!

Ⅶ رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات