قطر.. وضمير عزمي بشارة

لم تفاجئنا المعلومات التي حملتها تغريدة عزمي بشارة، أحد مستشاري أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، التي انتقد فيها محاولة بعض الدول الصغيرة -في إشارة إلى قطر- لعب دور إقليمي من خلال ضخ الأموال أو الاستثمارات.

مؤكداً أن تجاهل حقائق التاريخ والجغرافية لنجاح هذا الدور بمثابة مغامرة سياسية سريعاً ما ستدركها تلك الدولة. لكن الشيء المحيّر فيها هو السبب الذي دفع بشخصية مقربة من أمير قطر وأحد صُناع سياسته الخارجية لكسر صمته وانتقاد تلك السياسة، وكأنه يريد أن يطلع المراقبين والسياسيين على خفايا النظام الداخلية، أو أن ضميره استيقظ الآن وعرف أخطاءه.

ربما يقول قائل إن أحد فضائل هذه التغريدة أنها لم تكشف فقط وجود خلاف بين الدائرة المقربة من الأمير، بل فضحت دهاليز القصر القطري بوجود صراعات أجنحة حول السياسة الخارجية المتبعة؛ بدليل أن (التغريدة) جاءت بعد أن انتقد وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن ضحالة أفكار عزمي بشارة وسطحيتها.

وأنه لم يقدم فكرة ذات قيمة مضافة، بل إن التغريدة أكدت تسريبات عن استياء القطريين من قرب المرتزق عزمي بشارة وتأثيره على الأمير تميم في اتخاذ القرارات، وبهذا الفعل يكون بشارة قد تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء، ما يشير إلى احتمالية تصاعد وتيرة الخلافات.

مع أن كلام عزمي منطقي وواقعي في العلاقات الدولية، ويدركه الكثيرون على اعتبار أن سياسة ضخ الأموال التي يتبعها «نظام الحمدين» مداها قصير جداً، وتعتمد على استمرار تدفق المال في أماكن محددة من العالم، وأنه إذا كانت هذه السياسة قد نجحت مع التنظيمات الإرهابية مثل: «الإخوان الإرهابية» أو تنظيم القاعدة، فإنه لا يمكن الجزم أو الرهان بأن يحدث ذلك مع الدول الطبيعية أو تلك التي لها وزن سياسي مثل الدول الأوروبية.

في علم النفس فإن الإنسان أحياناً يعيش لحظة صدق مع نفسه، خاصة إذا كان يفعل أشياء غير طبيعية وغير مقتنع بها، فتلومه نفسه فيخاطبها بما هو مقتنع وما يطابق الواقع الحقيقي، وربما عزمي بشارة كان يعيش هذه اللحظة عندما كتب هذه التغريدة التي يتفق فيها معه الكثيرون.

ولكن هل فعل ذلك لأنه يريد أن يسجل موقفاً يشهد به لنفسه أمام التاريخ، وبذلك يكون كمن يعلن توبته قبل الرحيل، أم أن صبره نفد من أخطاء النظام القطري ويعيش لحظة انكسار وخيبة أمل لعدم نجاح أي مشروع لهم على مدى أكثر من عقدين، ربما هذا الخيار هو الأوقع والأصدق.

بلا شك، أن ما تحمله التغريدة من انتقاد ستكون له تداعيات على نخبة «نظام الحمدين»، أو أنها تفسر ما يشعر به النظام من ضعف في تماسكه بعد إنفاق الكثير من الأموال لشراء الذمم ولكن دون نتيجة، حيث إن نشاط السياسة الخارجية القطرية بدأ يتراجع بشكل ملحوظ نتيجة لانكشاف أهدافه ونواياه أمام الرأي العام العالمي.

إن الأدوات الحقيقية لأي سياسة خارجية ذات تأثير معدومة في النظام القطري، فبالإضافة إلى ما ذكره عزمي بشارة في تغريدته، فإن النظام يفتقد إلى حلفاء إقليميين وإلى المصداقية السياسية، وبالتالي فكل ما يفعله لا يخرج عن أنه دعاية إعلامية أو اضطرابات وهمية للزعامة السياسية.

يتبجح نظام الحمدين دائماً بعلاقاته مع كل من نظام الملالي في إيران والنظام التركي بقيادة أردوغان باعتبارهما قوتين إقليميتين يدعمانه ضد الدول العربية، ولكن الشيء الذي يغيب عنه أن الاثنين يستفيدان منه في الأموال التي يمتلكها في معالجة الكثير من أزماتهما الاقتصادية سواء بفعل العقوبات الاقتصادية الدولية أو نتيجة لمغامرات سياسية لأردوغان.

كما يغيب عن «الحمدين» أيضاً أنه يمثل «ثغرة» يستطيع منها النظامان الإيراني والتركي اختراق النظام العربي الذي يعاني فراغاً سياسياً، بفعل مواقف دول عربية أرهنت نفسها لخدمة أجندات خارجية.

أختم بأن نظام «الحمدين» يعيش وهماً وخيالاً بأنه يستطيع أن يلعب دوراً إقليمياً حقيقياً ويكسر القواعد التقليدية المتعارف عليها في النظريات السياسية، أما حالة الانتعاش السياسي التي يعيشها فلن تطول لأنها ليست أكثر من «فقاعة سياسية» سريعاً ما ستنفجر.

كاتب إماراتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات