مقال

الحرب التجارية بين واشنطن وبكين

خلال قمة مجموعة العشرين في أوساكا، أعلن الرئيس ترامب ونظيره الصيني جينبينغ هدنة جديدة في الحرب التجارية بين بلديهما قبيل مفاوضات شنغهاي التي تعثرت قبل أيام.

وقد جاء ذلك بعد نحو عام من الشد والجذب والتصريحات الإعلامية النارية المتبادلة، على خلفية قرار ترامب في مارس 2018 بفرض رسوم بنسبة 25% على واردات الصلب، و10% على واردات الألمنيوم، بهدف تخفيض العجز التجاري الأمريكي البالغ 566 مليار دولار في عام 2017 (منها نحو 375 ملياراً مع الصين، أكبر منتج للصلب والألمنيوم في العالم).

علماً بأن ترامب نفى أن يكون الخلاف مع الصين عبارة عن «حرب تجارية»، حيث غرد في أبريل 2018 قائلاً: «لقد خسرنا الحرب منذ سنوات عديدة بسبب السفهاء والأناس غير الكفوئين الذين يمثلون الولايات المتحدة. لدينا عجز تجاري يبلغ 500 مليار دولار في السنة مع عجز آخر يبلغ 300 مليار دولار بسبب سرقة الملكية الفكرية. لا يمكننا السماح لهذا بالاستمرار».

لا نريد هنا تتبع مسار هذه الحرب التجارية مذاك وحتى الآن، وإنما الذي يعنينا هو معرفة تداعياتها على البلدين المتنافسين وعلى الآخر. المستشار الاقتصادي للرئيس الأمريكي لاري كودلو قال إن الحرب التجارية مع الصين ليست في صالح واشنطن لأنها لن تجبر الشركات الصينية على دفع مليارات الدولارات للخزينة الأمريكية في صورة رسوم، وإنما من سيتحمل تلك الرسوم هي الشركات الأمريكية المستوردة والتي بدورها تحملها للمستهلك الأمريكي.

وفي السياق ذاته، قال محللون إن «الرسوم التي فرضت على شريحة كبيرة من الواردات، بدءاً من الصلب، وحتى الغسالات، كلفت الشركات الأمريكية والمستهلكين 3 مليارات دولار في الشهر في صورة تكاليف ضريبية إضافية، يُضاف إليها مليار و400 مليون دولار في صورة خسائر بسبب انخفاض الطلب».

أما بالنسبة للصين فإنها في رأي هؤلاء تبدو أقل خسارة لأنها تصدر للولايات المتحدة أكثر مما تستورد منها، لذا فإنها حريصة على التشدد في المفاوضات، خصوصاً وأنها متمسكة بسياساتها لجهة حماية شركاتها المملوكة للدولة وحقوق عمالها. والمعروف أن حجم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة يبلغ نحو 19 تريليون دولار في مقابل نحو 12 تريليون دولار في حالة الصين. و

إذا كان البعض يراهن على ارتفاع حجم الناتج المحلي الصيني إلى المستويات الأمريكية من خلال معدلات النمو الصينية المتسارعة، فإن هذه المعدلات صارت أقل تسارعاً اليوم، إذ انخفضت من 7% قبل عقد إلى 2.9% هذا العام.

عالمياً، سوف تؤثر هذه الحرب التجارية بين أقوى قطبين اقتصاديين، على المستثمرين، مما سيدفع مؤشرات أسواق المال إلى التراجع جراء حالة عدم اليقين.

لكن هناك قاعدة تقول «مصائب قوم عند قوم فوائد» بمعنى أن الأضرار الناجمة من هذه الحرب قد تصب في صالح أطراف ثالثة. من هذه الأطراف روسيا التي ستحصل على مواقف تفاوضية أقوى بوقوف الصين خلفها في الملفين الإيراني والسوري نكاية بالأمريكان، ومن هذه الأطراف أيضاً دول الشرق الأوسط المنتجة للطاقة.

فبحسب شبكة بلومبرغ، فإنه في حال فرضت بكين رسوماً بنسبة 25% على البولي ايثيلين والبروبان السائل اللذين هما من بين 106 سلع أمريكية مستهدفة، فإن الصين تحتاج إلى بديل لنحو 2.3 طن متري من هاتين السلعتين، وهو ما لا يتوفر إلا في أسواق الشرق الأوسط.

وأخيراً نأتي إلى مستفيد آخر هو فيتنام، التي لئن كانت أقل شأناً من الصين اقتصادياً وصناعياً، إلا أنها شقت طريقها بنجاح مشهود في عالم التصنيع من أجل التصدير.

وباتت قادرة على تلبية طلبات الأسواق الأمريكية من السلع الاستهلاكية، ناهيك أنها تمتلك مزايا منها أن اقتصادها حقق العام الماضي نمواً بنسبة 7.1%، ولديها أسواق داخلية قوامها 96.5 مليون مستهلك محلي معظمهم من الطبقة الوسطى، وقطاعان صناعي وزراعي يتطوران باستمرار، وشبكة جيدة من البنى التحتية، ومنظومة قانونية للحد من الفساد.

وعمالة مؤهلة رخيصة، واتفاقات للشراكة مع الاتحاد الأوروبي والهند وأستراليا واليابان. ولهذا كله فإن أي عقوبات محتملة تفرضها واشنطن على بكين ستؤدي إلى خروج الشركات المستثمرة في الصين من الأخيرة إلى فيتنام كمكان بديل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات