إرهاصات إصلاح سياسي في العراق

ست عشرة سنة مرت منذ سقط النظام العراقي السابق، والعراقيون ما زالوا يعيشون دوامة الأيام الأولى للسقوط بعد أن أضاعت معظم القيادات الجديدة التي استلمت الحكم بوصلة التوجه نحو الوطن أو تخلت طواعية عنها. خلال هذه السنين التي تضافرت عوامل عديدة محلية وإقليمية على جعلها سنيناً عجافاً تكرست المشاكل التي ترهق المواطن وتنغص معيشته وهي غياب الخدمات الأساسية لتصبح من الثوابت والمُسلّمات في حياته اليومية. المشاكل هذه لا تزال هي وإن تغير طابعها أو تغيرت تداعياتها قليلاً، خلاصة القول إن العراق لا يزال في قبضة إرادة تكرس الفوضى وتديم ما هو قائم من أوضاع، إرادة تدمير بنية الدولة العراقية. في أجواء واقع كهذا من الطبيعي أن ينشأ رفض له يقوى ويشتد ساعده يوماً بعد يوم وسنة بعد أخرى، رفض تتراجع فرص مهادنته للسلطات القائمة ليصبح أكثر ميلاً للتحدي والمواجهة وهو مما لم يحدث، فلماذا لا نرى معارضة رغم أن الشكاوى تترى علينا من كل صوب رجالاً ونساءً شباباً وشيوخاً وطلبة جامعات وعمال مصانع، ولكن لا تفعيل حقيقي لكل ذلك؟ سمعنا العديد من وجهات النظر والتحليلات التي طالت البنى السياسية للقوى المشاركة في العملية السياسية ودور قادتها في صياغة المواقف والاصطفافات والمساومات التي صنعت تأريخ هذه الست عشرة سنة، إلا أن من الصعب استنتاج ما هو موضوعي يصب إيجابياً في التشخيص السليم لجوهر المشكلة.

مقاربة الموضوع تتطلب وقفة غير تقليدية إزاء المشهد السياسي العراقي فليس هناك قوى سياسية لها برامج تنموية واضحة ولا مواقف تنسجم وتعبر عن التمسك بها ولم تتمكن أغلبها، فوق هذا وذاك، أن تترك بصمات واضحة في العملية السياسية، فلمعظمها قدم في الحكومة وأخرى خارجها ولكن ليس بمسافة بعيدة فذلك يضمن لها بعض المكاسب. من جانب آخر لا تخلو سلوكيات العديد من هذه القوى من مواقف لا يمكن أن تفسر أو تفهم سوى من زاوية تجاهلها لوجود كيان اسمه «حكومة» لا يستطيع إثبات وجوده سوى بظهور باهت لأحد المسؤولين فيه ليقدم شرحاً لحدث ولا يتحدث عن إجراء اتخذ إزاءه وهو المطلوب لأن الحكومة مهمتها ليس تقديم التفسيرات بل اتخاذ الإجراءات.

في سياقات التصدي لمهمة إصلاح النظام السياسي تتكرر الدعوات التي سمعناها مراراً للابتعاد عن الإقصاء والتهميش والاجتثاث والاصطفافات العرقية والطائفية وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ومعايير الكفاءة والنزاهة والتصدي للفساد المالي والإداري وإعادة النظر بهيكلية المؤسسات التي تتعلق بصياغة مؤسسات الدولة. جرى أخيراً بعض الحراك في الوسط السياسي العراقي هدفه إصلاح النظام السياسي القائم فقد تأسس كيان سياسي جديد تحت اسم المنبر العراقي واتخذ تيار الحكمة قراراً بالانسحاب من ائتلاف الإصلاح والذهاب نحو المعارضة.

ولست هنا بصدد التطرق إلى أجندة هذه التحركات ولا بوارد تقويم قدراتها، إلا أن ثمة تساؤلات عديدة تُطرح حول مدى حظوظها أن تؤخذ على محمل الجد لدى أوساط الواعين والمتابعين للعملية السياسية في العراق سيما، وأنها قيادات وأعضاء، كانت ولا تزال وجوهاً فاعلة في العملية السياسية، وهو ما يطرح تساؤلاً أكثر أهمية عن مدى إمكانية إصلاح النظام السياسي من الداخل عن طريق نشوء معارضة في صفوفه؟ أم أن ذلك غير ممكن إن لم يكن مستحيلاً؟ فرواد العملية السياسية لا يمتلكون الرؤى ولا الجرأة التي ترقى إلى مستوى ذلك ولا يرحبون في الوقت نفسه برؤى من خارج هذه العملية ممن لم يتأثر بها أو لم يتلوث بأوضاعها، أو لم يحصل على نقمة الشعب بسبب مشاركته فيها.

وتحرياً للدقة، لا بد من الإشارة إلى أن النظام السياسي القائم في العراق، دستوراً ومؤسسات، رغم بعض الالتباسات لا غبار عليه فالمشكلة ليست به بل باللاعبين على مسرحه أحزاباً وأفراداً وبمن يعمل على ضبط إيقاعات وجودهم وإبقائهم فيه. فعلى مدى الست عشرة سنة الماضية تأسست في العراق «دولة عميقة»، ربما عميقة جداً لا ينقصها المال ولا السلاح ولا القدرات على التحشيد الشعبوي، دولة ليس من السهل تجاوز ثوابتها في رسم ملامح المشهد السياسي فيه، دولة لا تقتصر امتدادات جذورها ولا تفرع روافدها على الأوساط العراقية وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى أوساط إقليمية فاعلة عديدة.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات