أساس القيادة الحديثة

حير مفهوم القيادة آلاف المهتمين والباحثين. هل القائد الحقيقي كتلة من الصفات، ما إن توافرت فيه، قلنا بأننا وجدنا ضالتنا؟! أم هو شخص يتفاعل مع كل موقف على حدة، فتظهر قوته الحقيقية في التعامل مع ذلك الموقف؟ أم هو مجموع من السلوكيات يلحظها من حوله؟.

مدرسة الفريق الأول، نشأت منذ فجر التاريخ، حينما كان يعتقد أن المرء يولد بصفات فذة، تجعله قائداً عظيماً. ولأن الناس لم تكن على قدر كافٍ من العلم، وكان هناك بون شاسع بين عامة الناس والقياديين، فلم يكن ممكناً استيعاب، أو بالأحرى، دراسة القياديين وأنواعهم. هذا ولّد بيئة خصبة للإيمان «بنظرية الرجل العظيم»، وهي أن الرجل يولد بصفات مميزة، تجعله قائداً «عظيماً».

وقد ثبت ذلك ردحاً من الزمن، بفضل العلامة ستوغدل، الذي درس الصفات الفطرية للقياديين في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والعسكرية. حيث تعمق في نحو 278 دراسة، تعمقت في صفات القادة بين عام 1904 وعام 1970. فتوصل إلى أن القادة يختلفون عن المرؤوسين في مجموعة سمات، هي: الذكاء، والمبادرة، والمثابرة، والثقة بالنفس، والمسؤولية، واليقظة، والبصيرة، والحس الاجتماعي.

غير أنه بعد صدمات الحروب العالمية الطاحنة وتداعياتها، واختلاف الممارسات القيادية على أرض الواقع، فقد تحفز باحثو العصر الحديث للنظر للقيادة من زوايا مختلفة. فاكتشفوا من خلال التجارب، أن من القادة من يمكن تأهيلهم وتدريبهم بطرق مختلفة، تجعل من بعضهم قادة، وإن كان البعض الآخر ممن يفتقر للقدرات لا تفلح معه تلك المحاولات التدريبية. بمعنى آخر، طويت «حقبة الصفات» القيادية التي امتدت من القرن الثامن عشر حتى أربعينيات القرن الماضي. ودخل العالم حقبة جديدة، وهي السلوكيات، وذلك لثلاثة أسباب، وهي: أن السلوك يمكن ملاحظته بسهولة، وقياسه بصورة مستمرة، ويمكن تدريب الناس عليه.

وبعد دراسات عديدة، تبين للباحثين أن النظريات السلوكية التي طبقت على القادة حول العالم، صار ينقصها بُعد «التعامل مع الموقف»، الذي يتطلب تغير سلوك القياديين بحسب طبيعة الموقف الذي يعترضهم. تماماً مثلما هو الحال في نظريات الصفات القديمة (الرجل العظيم)، التي كان ينقصها هذا البعد الموقفي.

هنا، انطلق الباحثون في سباق محموم منذ ستينيات القرن الماضي، حتى وقتنا الحاضر، للتعمق في منهج جديد، ضم نظريات عديدة، يطلق عليها «النظريات الموقفية». وهي باختصار لا تفترض مثلاً أن جميع المرؤوسين ينقصهم شيء واحد، مثل التشجيع، فيبدأ المسؤول بإلقاء خطب ومواعظ وحكم على مرؤوسيه عن أهمية العمل. ذلك أن حاجات الناس تختلف، وهنا يبرز القائد «اللماح» والذكي، الذي يستطيع أن يعرف من يريد شيئاً من التوجيه، أو المساندة أو التفويض، أو شيئاً من التدريب المساند «كوتشنغ» coaching. ولذا، نرى قوة القائد تبرز عند الأزمات أو التحديات التي تعترضه، فيبدأ بالتعامل معها حسب مقتضيات الموقف.

تعمقت في الكثير من أشهر وأهم الدراسات عن القيادة وأنواعها، فتوصلت إلى أنه ليس هناك نموذج واحد هو الأفضل في القيادة، غير أن معظم تعريفات ونظريات القيادة، تجتمع في نقطة جوهرية، وهي وجوب أن يكون القائد فعالاً، وإلا لم يتمكن من التأثير في محيطه. والتاريخ الحديث والقديم، يزخر بالأمثلة عمن تراجعت مؤسساتهم ودولهم، لأنه كان يقودها من يفتقر للتأثير والفعالية، فانعكس ذلك سلباً على تلك المؤسسات والأفراد.

وللمتأمل في الحقب الثلاث التي أسست القيادة الحديثة، يجد أن أسلوب التعامل مع الموقف، هو أكثر النظريات قرباً للواقعية في هذا العالم المتغير.

 

ـــ كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات