مكافحة التطرف على شبكات التواصل

عملت التنظيمات المتطرفة عبر العصور، على استغلال الإعلام وأدواته المتاحة في كل زمان، للترويج لأجنداتها داخل المجتمعات، فاستغل الإرهابيون الأوائل فنون البلاغة والخطابة والشعر، باعتبارها من أهم أدوات الإعلام والتأثير آنذاك، كما استغل الإرهابيون المعاصرون نفس هذه الفنون، وأضافوا إليها ما استجد من فنون وتقنيات، فاستفادوا من شرائط الكاسيت والفيديو، وابتكروا مجلات، وأناشيد حماسية، وتواصلوا مع قنوات فضائية، مثل قناة الجزيرة، ومع ظهور شبكات الإنترنت، سارعوا إلى استغلال المساحات المفتوحة فيها، لنشر أيديولوجياتهم، والتحريض على العنف والإرهاب، ومع ظهور شبكات التواصل الاجتماعي وكثافة استخدامها، حرصت الجماعات المتطرفة على توظيفها هي الأخرى، بهدف الوصول إلى أكبر شرائح مستهدفة، وخاصة فئة الشباب.

وقد نجحت هذه التنظيمات، للأسف، في اختراق بعض شبكات التواصل في الأعوام الماضية، وتمكنت من التمدد فكرياً في الفضاء الافتراضي، في ظل تساهل الشركات المسؤولة عن تلك الشبكات مع هذا الاختراق، بدعوى حرية الفكر والتعبير، إلى أن اشتد سخط الحكومات والمختصين، وتزايدت موجات العنف والذئاب المنفردة في العالم، فقامت هذه الشركات، تحت هذا الضغط، بتضييق الخناق على تلك الجماعات، وقامت بحذف آلاف الحسابات، وإزالة آلاف المحتويات التي تروج للإرهاب، إلا أن المعركة لا تزال مستمرة، في ظل فضاء افتراضي مفتوح، لا يعجز فيه الجماعات الإرهابية عن إيجاد مواطئ أقدام لهم للدعاية لأفكارهم هنا وهناك، كما هو الواقع.

ولا يقتصر دور المتطرفين على نشر الشبهات الدينية فقط بالرد على من يسمونهم بمشايخ السوء، بل يمتد إلى محاولة التأثير في عامة الناس إعلامياً بطرق مستحدثة، فقد جاء في كتاب (إدارة التوحش) لأحد منظري الجماعات المتطرفة: «ينبغي عند صياغة المادة الإعلامية، التركيز أكثر على تخيل صحيح لعقلية العوام، والأفكار التي تعوقهم عن الالتحاق بصفوفنا، خصوصاً أن لهم طريقة مختلفة في التفكير والعاطفة»، وجاء فيه أيضاً: «علينا أن نبتكر الوسائل الإعلامية الفعالة، لكي يصل ما نريد إلى الناس بدون تعقيد، وتصل موادنا الإعلامية لكل بيت وفئة عمرية»، ولذلك لجأ هؤلاء إلى استخدم المقاطع المرئية والصور والأناشيد، لإحداث تأثير نفسي وعاطفي في المتلقين.

كما أن الخطورة لا تقتصر على الإرهابيين المكشوفين، الذين ينشرون الأفكار الإرهابية التي تحض مباشرة على التكفير والتفجير والقتل والعنف، بل تنبع الخطورة أيضاً من التيارات والشخصيات التي تمثل جسوراً يعبر من خلالها الشباب إلى الضفة السوداء، ضفة أولئك الإرهابيين، وهذا الصنف من التيارات والشخصيات منتشرون في شبكات التواصل، سواء كانوا تنظيمات إخوان أو حوثيين أو حزب الله، أو غيرها من التنظيمات والمليشيات المتطرفة، التي تملأ الفضاء الإلكتروني، بقنواتها الموجهة، وبرامجها المضللة، ووسائل جذبها ودعاياتها.

إن السيطرة الكاملة على شبكات الإنترنت أمر متعذر، ومن هنا، يأتي الدور المهم لعمليات التوعية والتثقيف ونشر التدين الوسطي الصحيح، والبناء الفكري والاجتماعي والأخلاقي والتنموي للإنسان، سواء من قبل الأسرة، بمتابعة الأبناء وتوعيتهم واحتوائهم، وترشيد استخدامهم لأدوات التكنولوجيا الحديثة، أو من قبل المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والثقافية وغيرها، وكذلك الدور المهم للحكومات والنخب الفكرية والثقافية وأصحاب الأقلام، في المكافحة المضادة للفكر المتطرف في شبكات التواصل الاجتماعي.

لقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن محاربة التطرف والإرهاب إعلاميّاً وفكريّاً، لا تقل أهمية عن محاربته أمنيّاً وعسكريّاً، ولذلك عملت دولة الإمارات على بناء استراتيجيات لمواجهة التطرف في شبكات التواصل، وذلك من خلال نشر الوعي الرشيد، وضخ الثقافة الإيجابية التي تعزز قيم التسامح والتعايش في المجتمع، ومن خلال سن القوانين الرادعة، التي تجرم الإرهاب الإلكتروني، ومنها قانون مكافـحـة جرائـم تقنيـة المعلومــات، وقانون مكافحة التمييز والكراهية، ومن خلال المواجهة الإعلامية، حيث أنشأت منصات إعلامية متميزة لمكافحة الفكر المتطرف في شبكات التواصل، ومنها مركز «صواب»، الذي أطلق العديد من المبادرات والحملات التفاعلية المتميزة لمكافحة الفكر المتطرف، وقد انتهج هذا النهج دول أخرى، فأطلقت المملكة العربية السعودية، منصات إلكترونية مثل المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف «اعتدال»، ومركز الحرب الفكرية، في معركة مستمرة مع الفكر المتطرف، يتعاون فيها الجميع لنشر ثقافة التسامح والتعايش والوسطية والأمل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات