حتى يستجيب القدر لإرادة الحياة

هناك انحدارٌ حاصلٌ الآن، بعدما استباحت القوى الأجنبية أو الإقليمية وبعض الأطراف في المنطقة العربية استخدام التجييش الطائفي والمذهبي والإثني في حروبها، وصراعاتها متعدّدة الأمكنة والأزمنة خلال العقود الأربعة الماضية.

وقد ساهم في ترسيخ الواقع الانقسامي، اعتماد أسلوب العنف المسلّح في بعض الحراكات، وهيمنة حركات أخرى ذات شعارات دينية، مقابل ضعف الحركات السياسية ذات السمة الوطنية أو العربية التوحيدية.

العرب الآن هم بلا قضيةٍ واحدة، وبحاجة لقيادةٍ جامعة. والشعب الذي لا تجمعه قضية وطنية واحدة أو رؤية مستقبلية مشتركة للأمَّة، ولا يمتلك مرجعيةً قيادية واحدة، يتوه وينقسم ويعيش أسيرَ صراعاتِ الداخل التي تعزّز تدخّلَ الخارج.

هكذا هو حال هذه البلدان العربية اليوم وما فيها من انشدادٍ كبير إلى صراعاتٍ وإلى مشاريع حروب إقليمية قاتمة، في ظلّ تدخلات أجنبية تسعى للهيمنة على مصائرها. وضحايا هذه الصراعات ليسوا فقط من البشر والحجر، بل الكثير أيضاً من القيم والمفاهيم والأفكار والشعارات.

الدين والطائفة والمذهب، كلّها تسمياتٌ أصبحت من الأسلحة الفتّاكة المستخدَمة في هذه الصراعات. كذلك العروبة والوطنية، فهما الآن أيضاً موضع تفكيكٍ وتفريغ من أيّ معنى جامع أو توحيدي، في الوقت نفسه الذي يتمّ استخدامهما لصراعاتٍ أخرى!

والحرّية والديمقراطية أصبحتا مطلبين يتناقضان الآن، النماذج الديمقراطية المعروضة، أو المفروضة، في هذه البلدان تقوم على قبولٍ بالوصاية الأجنبية على الأوطان من أجل الحصول على آلياتٍ ديمقراطية في الحكم!

تعدّدت الأسباب، لكن النتيجة واحدة. نعم الأنظمة في هذه الدول مسؤولة عن تردّي الأحوال وعن تبرير التدخّل الأجنبي بمصائرها، لكن أليس الاستنجاد بالأجنبي لتغيير حكوماتٍ وأنظمة هو تكريس لمصالح القوى الخارجية على حساب وحدة الأوطان واستقلالية قراراتها.

الحراكات الشعبية لدى بعض شعوب المنطقة، وما جرى أيضاً في عدّة بلدان عربية هو محاولات كسر وتحطيم مقوّمات الوحدة الوطنية وتسهيل سقوط الكيانات، كما سقطت أنظمة وحكومات، إذ لم تميّز بعض الحركات والجماعات (عن قصدٍ منها أو عن غير قصد) بين مشروعية تغيير الأنظمة وبين محرّمات تفكيك الأوطان ووحدة شعوبها.

هذه البلدان تخرج من هذه العشرية الثانية للقرن الجديد وهي مثقلة بالجراح، وبالدم النازف بين شعوبها، وبالمخاطر الجمّة التي تحدق بمصيرها، ولا تجد أمامها كثيراً من بوارق أمل بل قلقاً كبيراً من المستقبل القريب وتداعيات الحاضر.

فكيف سيكون مستقبلها في العام 2020 وبداية العقد الثالث؟ وهل هناك مراجعات تحدث لأوضاعها ولوقف اندفاع السلبيات في مساراتها المتعدّدة؟! إنَّ هذه الدول الآن هي أمام الخيار بين تكامل الوطنيات العربية القائمة -وفق صيغة الاتحاد الأوروبي بالحدِّ الأدنى -أو الانحدار أكثر في اقتسام دولي جديد لها وتفتيت المنطقة إلى دويلاتٍ متصارعة فيما بينها.

وذلك تحت وطأة اهتراء أوضاعها الداخلية العربية في أكثر من مجال سياسي واقتصادي واجتماعي، وصراعات عربية، وتدخلات أجنبية إقليمية، وصراع داخلي يستبيح العنف المسلّح بين المواطنين أو ضدّهم!.

هناك الآن حاجةٌ قصوى لوقفةٍ مع النفس قبل فوات الأوان، وهناك حاجة إلى فكر جامع يتجاوز الإقليميّة والطائفيّة والمذهبيّة، ويقوم على نبذ العنف واعتماد مرجعيّات العرب ومصالحهم في إقرار النصوص والدساتير والقوانين...

هناك حاجةٌ ملحّة للفرز لمعرفة من يعمل من أجل الحفاظ على النّسيج الوطني الواحد، ومن يعمل من أجل كانتونات تحقّق مصالح فئوية مؤقتة.

هناك حاجةٌ لتثبيت معنى «الهُوية» الذي يجمع بين الفهم السليم للأمّة العربية الواحدة القائمة على خصوصيات متنوعة، وبين الولاء للوطن الواحد القائم على أسس سليمة في الحكم والمواطنة.

قبل قرنٍ من الزمن، عاشت البلاد العربية حالةً مماثلة من التحدّيات ومن مواجهة المنعطفات الحاسمة، لكنها لم تُحسن آنذاك الخيارات، فدفعت شعوب المنطقة كلّها الثمن الباهظ. عسى ألا تتكرّر الآن مأساة الأمّة العربية بعد مائة عام بالسقوط في هاويةٍ جغرافية وإقليمية جديدة، يتمّ فيها رسم الحدود بالدم الأحمر للشعوب، لا فقط بالحبر الأسود!.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات