كرة القدم ولا شيء آخر

في القاهرة فإن لا شيء آخر يعلو على كرة القدم؛ فلم يعد الاهتمام بصفقة القرن يأخذ أكثر من النزر اليسير من مساحات الصحف ونشرات الأخبار؛ وحتى عندما توفي الرئيس المعزول محمد مرسي في ساحة المحكمة فإن الاهتمام كان قليلاً رغم أن المحطات التلفزيونية والمواقع الإخوانية جعلت من الأمر عزاء تاريخياً رصعته ببيانات جماعات حقوق الإنسان؛ وحتى أخبار «الحرب في الخليج» التي سببت انزعاجاً أولياً فإنها بعد قليل أصبحت جزءاً من مسلسل الإزعاجات الكثيرة في منطقة الشرق الأوسط.

ما يسيطر على أحاديث الصباح والمساء، وفي أماكن العمل والمقاهي، هو مباريات «كأس الأمم الأفريقية» التي تقام في عدة مدن مصرية جرى إعداد ملاعبها وكأنها بنيت من جديد، وتزينت مدنها استعداداً للحدث الكبير كما تتزين العروسة لعرسها في الحدث الذي يضم ٢٤ دولة إفريقية لكل واحدة منها تسمياتها الخاصة من الفهود إلى النسور إلى الأسود إلى الأفيال إلى النجوم السوداء والمرابطون وهكذا أسماء.

الفريق المصري معروف باسم «الفراعنة»، وأيقونة المسابقة الملك «توت» أخذاً من «توت عنخ آمون»، فأحياناً يستدعي المصريون فرعونيتهم وكانت كرة القدم واحدة من هذه المناسبات.

الأسماء جميعها فيها استدعاء للشخصية القومية للدولة التي يمثلها اللاعبون ويحملون اسمها، والفوز فيه شرف قومي، أما الهزيمة ففيها شيء من العار؛ وهو مكثف في الحالة المصرية حيث كانت مصر فائزة في سبع مسابقات سابقة، والفريق القومي يريد إضافة نجمة ثامنة على قميصه طالما أن المباريات تجري على أرضه، وفي «استاد القاهرة» حيث يوجد دوماً ٧٤ ألف متفرج يطالبون بالنصر.

الجديد في المسابقة لا يدور حول من سيفوز ومن ينتصر، وإنما ما تغير في أحوال الكرة التي بات مألوفاً فيها أنواع من «العولمة» الكروية، فرغم أن المسابقة ليست كما كان كأس العالم المنعقد في روسيا في العام الماضي؛ إلا أن امتداد الظواهر وصل إلى القارة الأفريقية حيث أتى معظم لاعبيها من أندية تتواجد في العالم المتقدم، وأخرى «محلية» تعيش في دول القارة السمراء.

أصبح التصنيف ذائعاً بين الأغلبية القادمة من ليفربول (أحب الأندية لمصر الآن حيث يوجد محمد صلاح) أو مانشستر سيتي أو أرسنال أو بايرن ميونيخ أو ريال مدريد، وأندية كثيرة صعبة الحصر في مدن باهرة؛ والأقلية الأقل حظاً وثروة في مدن القارة التي كثيراً منها تتراوح ما بين الحظ القليل والبؤس.

وعلى أي الأحوال لم تعد كرة القادم كما كانت قبل عقود قليلة حيث كانت «الهواية» غالبة على «الاحتراف»، انعكس الحال الآن وحتى لم تعد للهواية وجود؛ ومع الاحتراف أصبح كل شيء محسوباً بالأرقام من دخل كل لاعب، إلى كم السعرات الحرارية التي يحرقها كل يوم.

لم تعد المباريات تذاع كما كانت، ويجلس المستمعون أولاً إلى الراديو حيث يصف لهم المعلق الملعب من خلال مربعات يتخيل المستمع فيها أين توجد الكرة حسب المربع الذي يقول به المعلق.

وحينما جاء التلفزيون ثانياً وأصبح الاستاد مكشوفاً كان في الأمر نقلة نوعية انتقلت إلى قفزة كبرى ثالثاً مع اختراع «الاستوديو التحليلي» الذي تتطاير فيه الأرقام وتحركات اللاعبين وحالتهم البدنية، هي حالة تشريح كاملة للمباراة وما كان قبلها وما جاء بعدها.

تقدمت برامج كرة القدم العربية والإفريقية على كل ما عداها، فلم يخلق بعد الاستوديوهات التحليلية التي لها نفس الكفاءة في مجالات السياسة والاقتصاد والمجتمع حيث يصعب أولاً معرفة الحقائق، ولا توجد الشجاعة دائماً لتحليلها.

وفي القاهرة فإن كل الآمال معقودة على الفوز بالكأس، ولكن حال الفريق القومي رغم الفوز في المباريات الثلاث الماضية ليست مبشرة. ولكن التشجيع سوف يستمر في الملاعب والشوارع وأغاني الإعلانات، ولن تفلح كل الأحداث وما شاع عن اللاعب «عمرو وردة» من قصص جنسية في وقف المسيرة نحو الهدف.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات