إيران وأمريكا والخليجيون

المتابع لما يحدث في المشهد السياسي الدولي، فيما يخص إدارة الأزمة النووية بين الولايات المتحدة، والنظام الإيراني يتبين له أن إدارة الرئيس دونالد ترامب بما فيهم مستشاره للأمن القومي جون بلتون الذي يعتبر أشد «صقور الإدارة الحالية» بدأوا يفكرون في التعامل مع هذه الأزمة بطريقة تسمح لهم بـ «التعايش» مع النظام الإيراني، ومشاكله بدلاً من التفكير الذي روجوا له حتى الفترة القصيرة التي لا تتعدى أسابيع بتوجيه ضربة عسكرية إلى النظام، خاصة عندما صرح ترامب للصحفيين أنه سيكون أفضل صديق لإيران لو تخلوا عن الملف النووي.

هذا الطرح وهذه الرؤية حتى لو أردنا أن نقنع أنفسنا بأنها غير حقيقية باعتبار أن حالة التعبئة الأمريكية السياسية والعسكرية ضد إيران ما زالت متصاعدة إلا أنه ينبغي أن تكون ضمن إطار التفكير السياسي الخليجي والعربي بل والاعتراف بها كي لا نصدم من وقع المفاجآت الأمريكية والغربية عموماً إن حصلت -كما عودتنا العلاقات الأمريكية الإيرانية.

المؤشرات الإيرانية في المنطقة والعالم، كما يراها بعض المحللين، تبدو أنهم يتصرفون بثقة وأن الولايات المتحدة لم تعد مصرة على توجيه الضربة العسكرية بل بات الاحتمال الأصعب تدعمه في ذلك العديد من التصريحات لمسؤولي أمريكا، أما مسألة العزل السياسي والاقتصادي التي يهدد بها ترامب فإن إيران ستجد لها مخارجها «اللاشرعية»، كما فعلت في السابق-فهي اعتادت على هذا النوع من العقوبات والحصار، خاصة وأن الطرف المهم لدى ساسة إيران استمرار النظام وليس الشعب الذي عجز عن تغيير سلوكهم.

القلق الكبير الذي ينبغي الحذر منه، تلك الرغبة الأمريكية -وحتى الإيرانية وإن كان بنسبة أقل- كما تبدو في الإعلام هو انفتاح كلا الطرفين على بعض وعدم إعطاء أهمية لمضيق هرمز في الاستراتيجية الأمريكية وحتى النفط الذي يمر منه فهذا يفسر بأن مسألة شن الحرب على إيران لن يكون ذلك القرار السهل خاصة وأن إدارة ترامب جاءت إلى السلطة بوعد الشعب الأمريكي عدم شن حروب جديدة ترهق الأمريكان بل إن استعداده لخوض سباق الرئاسة القادم كلها تعطي مؤشرات بأن التعايش مع إيران النووية خيار وارد على الأقل لسببين اثنين، السبب الأول: أن شرعية النظام الإيراني الحالي قائمة عليه وبالتالي لن تتنازل عنه لأنه يعني سقوطها.

السبب الثاني: له علاقة بالولايات المتحدة التي لن يؤثر عليها السلاح النووي الإيراني لو استخدمته بل تأثيره على الإيرانيين سيكون أكبر.

ما يؤكد أن هناك تراجعاً أمريكياً-قد يكون تكتيكياً-وثقة إيرانية وعدم القلق أنه رغم الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة أنه لم تتراجع إيران من تحريك أوراقها الإقليمية وأذرعها السياسية في العراق من خلال اقتحام السفارة البحرينية وإحراج النظام العراقي لدى المجتمع الدولي كما لم تتوقف عن دعمها للحوثيين وكأنها حولت الضغوط السياسية التي عليها إلى الإدارة الأمريكية التي بدأت تتحرك بعيداً عن النظام الإيراني، وكأننا نعيد تاريخ التعامل الإيراني-الأمريكي وهو الوصول إلى حافة الهاوية بأن هناك شيئاً ما سيحدث ولكن في النهاية نكتشف أشياء جديدة تحصل بينهما غير تلك التي نراها في الساحة الإعلامية والسياسية آخرها الاتفاقية النووية وقبلها التعاون في إسقاط طالبان ونظام صدام حسين.

ما أريد قوله إن سياسة الشد والجذب بين طهران وواشنطن ينبغي ألا يكون مؤشراً نقيس عليه تعاملاتنا مع تهديدات النظام الإيراني وإلا سنكون الطرف الخاسر في الحالتين سواء في التقارب كما حصل في عهد إدارة الرئيس أوباما من خلال زيادة التمدد الإيراني في الدول العربية أو التباعد أيام الحرب العراقية الإيرانية لهذا ينبغي أن يكون لنا سياستنا المستقلة عما بينهما لأن المصالح الاستراتيجية للدول يتم تقديرها من متخذي قرارها لأنهم هم من يدرك أبعاد ما يحدث.

إيجاد طريق خليجي وعربي في التعامل مع التهديدات الإيرانية بعيداً عن الحسابات الأمريكية يمثل استجابة استراتيجية لأن تعاملنا معه وفق مؤشر العلاقة بينهما معه سوف يضعنا أمام نتائج واحتمالات لا تخطر على البال.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات