أوروبـا وسينـاريـو الحـرب الخاطفة

صدم تقرير مؤسسة راند Rand الأمريكية الذي نشرته في فبراير الماضي الدول الأوروبية عندما قال إن الجيش الروسي يمكن أن يجتاح كل جيوش حلف الأطلنطي في شرق أوروبا في أي «حرب خاطفه»، وأن روسيا تستطيع أن تمنع القوات الأمريكية وحلفاءها الأوروبيين من الوصول للبحر الأسود وبحر البلطيق خلال ساعات قليلة، هذا الأمر الجلل دفع الكونغرس الأمريكي لطلب شهادة الجنرال كورتيس سكاباروتي قائد قوات الناتو الأوروبية، فهل تستطيع روسيا فعلياً الانتصار في هذه الحرب السريعة إذا ما اندلعت في أوروبا ؟ وما هي الخيارات الأوروبية لمواجهة هذا التهديد ؟ وهل تساعد إستراتيجية الرئيس ترامب العسكرية في بناء حائط صد لردع روسيا خاصة في رومانيا وبولندا، و جمهوريات بحر البلطيق الثلاث ؟

تحليل أرقام وإحصائيات الإنفاق العسكري الأمريكي خلال السنوات الماضية يكشف عن تراجع كبير في دعم القوات الأمريكية في أوروبا خاصة في عهد الرئيسين جورج بوش الابن وباراك أوباما، و أن الأول ركز اهتمامه على الحرب في العراق وأفغانستان فيما اهتم أوباما بآسيا والمحيط الهادئ، ولم يلتفت أوباما إلى التفوق الروسي شرق أوروبا إلا بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، ورغم وجود أكثر من 212 ألف جندي خارج الأراضي الأمريكية، تراجع الإنفاق الأوروبي وحلف الناتو على التدريب ونشر السلاح في شرق أوروبا، وفى الوقت الذي كان الرئيس أوباما يسحب لواءين من أوروبا كانت روسيا تعزز قواتها خاصة الأسلحة النووية التكتيكية التي طورتها بشكل غير مسبوق في الفترة من 2002 حتى 2015، وعندما جاء الرئيس ترامب قرر تفعيل إستراتيجية متكاملة لدعم القوات الأمريكية وتحديث القنابل النووية لذلك زادت الميزانية الأمريكية لعام 2019-2020 لأكثر من 750 مليار دولار لتحديث القوات الأمريكية التي لا تزال تعانى من أمرين هما قلة القوات الأمريكية في الخارج مقارنة بالتحديات مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية والشرق الأوسط، كما تعاني القوات الأمريكية من نقص في الطيارين خاصة في شرق أوروبا، لذلك طلب الرئيس ترامب مراراً من الدول الأوروبية مزيداً من الإنفاق الدفاعي حتى يصل إلى 2% من الناتج القومي لحلف الناتو.

هذا الأمر دفع دول شرق أوروبا مثل بولندا ورومانيا للإسراع في نصب منظومة الدفاع الصاروخية، وقيام بولندا بشراء 40 صاروخ R-27R1 من أوكرانيا، وسعيها لشراء طائرات إف 35 الأمريكية، ومما عزز موقفها لدى إدارة الرئيس ترامب الذي أعلن نشر 1000 جندي أمريكي في بولندا فيما وصف بأنه «حصن ترامب» ضد روسيا .

اللافت في هذه القضية ما قاله بعض الأوروبيين أنفسهم بأن روسيا قادرة على إقامة «منطقة حظر» في أي حرب خاطفة هو ما جعل حكومات دول بحر البلطيق الثلاث وبعض الدول الصغيرة شرق أوروبا تشعر بالهلع من إمكانية ضربة روسية خاطفة، خاصة في ظل الخلافات بين دول شرق وغرب أوروبا حول آلية التعامل مع روسيا

لكن ربما الأكثر إثارة هو اعتراف الجنرال كورتيس سكاباروتي، قائد قوات الناتو الأوروبية، بتفوق القوات الروسية على قوات حلف شمال الأطلسي بأوروبا الشرقية حاليا، ولكنه كان واثقاً من أن الحلف سيكون أقوى على المدى الإستراتيجي، واكتفى بتحذير الولايات المتحدة من أن عدم تحديث قواتها في جميع المناطق بحلول 2025 سيجعل روسيا قادرة على تحدي سلاح الجو الأمريكي، وكان الجنرال سكاباروتي صريحاً لدرجة أنه اعترف بأن روسيا لها الأفضلية في أوروبا الشرقية ليس فقط في مجال الأسلحة النووية التكتيكية بل في مجال الأسلحة التقليدية نتيجة لقرب ساحة الحرب في اوروبا الشرقية من الخطوط الداخلية في روسيا

رغم اتفاق الكثيرين على أن الخيارات محدودة أمام الأوروبيين في مواجهة الحرب الخاطفة الروسية إلا أن زيادة الإنفاق الأوروبي، وإرسال الولايات المتحدة «للواء الثالث» لشرق أوروبا، وخطة الرئيس ترامب لتحديث القوات مع تراجع الإنفاق الروسي على السلاح نتيجة لتراجع سعر النفط خلال الفترة الأخيرة يجعل احتمالية حدوث الحرب الخاطفة في أوروبا غير موجودة نتيجة لتزايد قدرة أوروبا والولايات المتحدة على الردع، وتقارب حكومات اليمين الشعبوي من الكرملين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات