إشعال الحرائق لن يحل أزماتكم

لا أحد يريد الحرب. خاصة حين تكون في منطقة فائقة الأهمية مثل الخليج العربي، حيث ترتبط مصالح كل دول الخليج مع مصالح العالم كله، وحيث الممر الأساسي الذي يمد العالم بجزء كبير من احتياجاته من البترول.

لا أحد يريد الحرب. لكن أيضا لا يمكن للعالم أن يترك أسلوب «البلطجة» يتحكم في أهم الممرات التجارية العالمية، ولا يمكن أن تترك الميليشيات تعبث بمصير المنطقة وتهدد أمنها واستقرارها.

لا أحد يريد الحرب. خاصة في دول الخليج العربية وفي الوطن العربي الذي عانى طويلاً من الحروب، ودفع الجزء الأكبر من فواتيرها.

مشكلتنا الحقيقية أننا نواجه الآن قوى إقليمية مأزومة، تريد أن تخرج من أزماتها على حساب العرب. ولا تريد أن تستوعب دروس التاريخ، ولا أن تدرك أن الزمن قد تغير، وأن زمن إشعال الحرائق في أراضي الآخرين دون أن تمسنا النار قد انتهى، وأن سياسات العدوان سوف ترتد حتماً على أصحابها.

أزمة إيران في المنطقة حلها مرهون بأن تلتزم طهران بعلاقات حسن جوار حقيقية تنهي زمن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتغلق باب إثارة الفتن الداخلية والحروب الأهلية، قبل أن تجد نفسها ضحية هذا النهج الذي لا يمكن أن يستمر بعد كل ما سببه من تخريب ودمار في دول عربية، دفعت غالياً ثمن مغامرات الحرس الثوري الذي يتباهى برفع أعلامه من بغداد إلى صنعاء، وإطلاق ميليشيا الحوثيين لتدمر اليمن كما دمرت ميليشيات مشابهة دولاً عربية أخرى!!

أزمة أخرى تعصف بدولة جارة للعرب، كان يمكن أن تكون الأقرب والأشد تعاوناً في استقرار المنطقة، لولا أن أخذها أردوغان إلى طريق آخر، حين توهم أنه – بالتحالف مع الإخوان – يمكن أن يصبح سلطاناً للمسلمين (!!) وحين قادته هذه الأوهام لأن يكون شريكاً في تدمير سوريا، وفي العداء لمصر، وفي التآمر على كل الشعوب العربية سعياً وراء نفوذ ربطه بالجماعات الإرهابية الإخوانية الداعشية، أو بالأنظمة المرتبطة بها كما في نظام «حمد وحمد» أو حكم البشير الذي سقط في السودان.

سقوط الأوهام أدخل أردوغان في أزمة داخلية طاحنة، وأدخل تركيا في أزمة اقتصادية صعبة، واللعب على التنافس الروسي – الأمريكي زاد من الأزمة.

والهروب إلى الأمام يدفع أردوغان للمزيد من المغامرة البائسة بحثاً عن «مكاسب» يريدها على حساب سوريا التي شارك في تدميرها، أو بتصدير كتائب الإرهاب إلى ليبيا، والتهديد علناً بنقلها من سوريا إلى سيناء، أو بالبحث عن موقع في السودان يطل منه على البحر الأحمر، أو موقع آخر في قطر لحراسة «حمد وحمد» أو لممارسة البلطجة في البحر المتوسط واختلاق الصراعات في مناطق البحث عن الغاز هناك.

وليست مصادفة أن تواجه هذه القوى الإقليمية غير العربية الأزمات وأن تحاول – كل على طريقتها – الخروج من أزماتها بالهروب إلى الأمام.

كل هذه القوى ترى في تصدي محور الاعتدال العربي للمخططات العدائية بدءاً من إسقاط حكم الإخوان في مصر، إلى الوقوف في وجه ميليشيا الحوثي في اليمن، والميليشيات الإرهابية في ليبيا.. ضربات مازالت تتلاحق لإنقاذ الدولة الوطنية وللقضاء على عصابات الإرهاب بكل أشكاله.

وكل هذه القوى ترى في تحرك الشعوب العربية ضد الإرهاب وضد مخططات إسقاط الدولة وتوزيعها على الميليشيات إغلاقاً للطريق الذي فتحته لتمزيق الوحدة الوطنية وإسقاط دول عربية كبيرة في جحيم الطائفية وحروب الطوائف.

كما حدث في العراق الذي يستعيد عافيته، وسوريا التي لم تسقط، واليمن الذي أرادوه باباً لإسقاط الخليج العربي كله، فصمد وأكد أن اليمن سيظل حصناً عربياً، ولا يمكن أن يكون ممراً لأئمة الإرهاب أو حراسهم الذين يدعون الثورية!!

كل هذه القوى الإقليمية في أزمة، وكلها تحاول الخروج من أزمتها بالهروب إلى الأمام أو بتصدير أزمتها للآخرين، وكل هذه القوى لا تريد أن تعترف أن مخططاتها قد فشلت، ولا تريد أن ترى حقيقة أن زمن استباحة الوطن العربي قد انتهى. وأن الحل لن يكون بإشعال المزيد من الحرائق، وإنما باستعادة شيء من الحكمة ليجدوا الطريق للحل الذي يؤكد الاستقرار ويستوفي شروط السلام.

* كاتب صحفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات