أوروبا على صفيح ساخن

تشهد الدول الأوروبية تنامياً متزايداً لظاهرة التطرف، حتى غدت بيئة يستغل المتطرفون قوانينها الفضفاضة في مجال الحريات، لينشروا خطاب الكراهية والتطرف والعنف، سواء تحت شعارات دينية أو قومية أو عنصرية أو غيرها.

لقد سهلت قوانين هذه الدول إتاحة المنابر الإعلامية والدينية لمتطرفين يبثون عبرها سمومهم لتضليل الناس داخل أوروبا وخارجها، ومنهم شخصيات موالية للقاعدة، استغلت الساحة الأوروبية للتمدد الفكري والتحريض على العنف والعمل المسلح، والأمثلة على ذلك كثيرة، منهم الإرهابي هاني السباعي المقيم في لندن، والموالي لتنظيم القاعدة، والمدرج في لوائح للإرهاب.

والمعروف بخطاباته وخطبه المتطرفة، ومن آخرها خطبة عيد الفطر، التي ملأها بالتطرف والإرهاب، فقد كفَّر فيها الجيوش العربية والإسلامية، ودعا الشعوب إلى حمل السلاح وخوض مواجهات مسلحة مع الجيوش، وشبَّه الوطنية بعبادة الأصنام، ومدح إرهابيين أمثال خالد الإسلامبولي وهشام عشماوي وتنظيم القاعدة والجماعات المسلحة الأخرى، ودعا إلى الاقتداء بهم، محرضاً على تفتيت الجيوش.

والقضاء على الأنظمة، ونشر الفوضى في الوطن العربي والإسلامي!! وهو تحريض سافر على الإرهاب لا يختلف في إدانته عاقل، فأين القوانين الأوروبية من مساءلة هذا الرجل وأمثاله، وإيقافهم عند حدهم، وهم يحرضون آناء الليل والنهار على الإرهاب والعنف المسلح؟!

ولا تقتصر مظاهر التطرف التي تشهدها أوروبا على فتح الأبواب أمام هؤلاء الإسلاميين المتطرفين باسم حقوق الإنسان فقط، بل شملت أيضا صعود الأحزاب اليمينية الأوروبية المتطرفة، التي بدأت في التنامي في السنوات الأخيرة، مستغلة بعض القضايا مثل معارضة العولمة والهجرة والتعددية الثقافية والاتحاد الأوروبي والأزمات الاقتصادية وغيرها للتأثير على الرأي العام الأوروبي واكتساب الشعبية.

كما تسعى هذه الأحزاب اليمينية المتطرفة للسيطرة على السلطات التشريعية والمؤسسات السياسية في أوروبا والانقضاض على مقاليد السلطة، وقد استطاعت أن تفرض نفسها هناك.

فقد تمكن حزب «من أجل الحرية» الذي أسسه «غيرت فيلدرز» الهولندي اليميني المتطرف المعروف بمناهضته للإسلام ومناهضته للتعددية الثقافية والهجرة من أن يصبح ثالث أكبر حزب في هولندا في انتخابات 2010، ثم أصبح ثاني أكبر حزب في البرلمان الهولندي في انتخابات 2017، واحتل المرتبة الثالثة في انتخابات البرلمان الأوروبي 2014.

كما تمكن الحزب اليميني المتطرف حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي يضم النازيين الجدد من الفوز بالمرتبة الثالثة في الانتخابات الألمانية 2017، ليدخل مثل هذا الحزب البرلمان الألماني لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، كما خاض الحزب اليميني الفرنسي حزب «الجبهة الوطنية» الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017.

وكاد أن يدخل قصر الإليزيه لتسلم السلطة لولا خسارته، وهو لا يزال نشطاً في فرنسا وأوروبا لتحقيق أهدافه السياسية، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة على هذه الأحزاب، والتي تسعى إلى تشكيل تكتل يميني مشترك في البرلمان الأوروبي لفرض سيطرتها ونفوذها، ولذلك يقول إيفان كراستيف أحد أعضاء المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «ليس هناك مفر الآن من الاعتراف بأن اليمين الشعبوي المتطرف أصبح ملمحاً دائماً في السياسة الأوروبية».

ويرتبط بعض عناصر هذه الأحزاب بممارسة العنف والإرهاب، فقد أدين بعض أعضاء النازيين الجدد بعمليات قتل واعتداءات وأعمال عنف طالت مهاجرين وناشطين مناهضين لهم وسياسيين، منهم النائبة البريطانية جو كوكس التي تم قتلها في دائرتها الانتخابية في وضح النهار عام 2016 على يد أحد أنصار مجموعة النازيين الجدد المعارضين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وما الهجمات الإرهابية التي طالت مسجدي نيوزيلندا وأودت بحياة 50 شخصاً إلا ثمرة من ثمرات هذه الحركات المتطرفة.

إن معالجة هذه الظاهرة -إن كان القطار لم يفت بعد -تستدعي حلولاً استثنائية جذرية عاجلة، ومن ذلك إعادة النظر في القوانين والثقافة الحقوقية السائدة، وتحديد الخطوط الفاصلة بين حرية الممارسة والتعبير وخطاب الكراهية والتطرف، بما يحقق التعايش المشترك بين مختلف الشرائح، لعل ذلك يكبح شيئاً من جماح التطرف الذي يحاصر أوروبا، وينذرها بمستقبل قد تكون عواقبه غير محمودة؛ فقد أصبحت أوروبا حقاً على صفيح ساخن بالإرهاب.

* مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات