رسائل مكة.. وردع الإرهاب الإيراني

نحن دعاة سلام، لكننا سوف نتصدى بكل قوة لأي عدوان يستهدفنا، كان هذا هو جوهر الموقف الحاسم إزاء المحاولات الإيرانية لإدخال المنطقة إلى قلب المخاطر، ظناً بأن هذا هو السبيل للخروج من أزمتها الطاحنة. وكان هذا هو ما دعا العرب والمسلمين للتجمع في مكة المكرمة، دفاعاً عن السلام، وحرصاً على الأمن والاستقرار، وكان هذا أيضاً ما دعا دول العالم للوقوف إلى جانب الحق العربي، ليبقى النظام الإيراني وحلفاؤه القلائل في مواجهة السؤال المصيري: هل يريدون السلام ويخضعون لشروطه، أم يدفعون ثمن خطايا تراكمت، وجرائم لم يعد ممكناً السكوت عليها؟!نحن دعاة سلام، ولكننا لن نقبل بعد اليوم أي عدوان، كانت هذه هي الرسالة الأولى التي كان على العالم أن يسمعها بصوت خليجي وعربي وإسلامي في وقت واحد، من مكة المكرمة. والتي كان على إيران ومن يوالونها أن يدركوا أنها ليست رسالة للدعاية أو للاستهلاك.

وحين نقول إننا لن نقبل أي عدوان، فإن هذا يشمل، قبل أي شيء، محاولات التدخل في الشؤون الداخلية لدولنا العربية، ومحاولات إثارة الفتن والحروب الأهلية بين أبناء الوطن الواحد، والجهود التي لم تتوقف منذ أربعين عاماً في دعم عصابات الإرهاب، ومحاولات التخفي وراءها، في ارتكاب الجرائم ضد دول المنطقة. يعرف حكام طهران وغيرهم من الذين يتحدثون عن علاقات حسن الجوار، أن الطريق إلى ذلك لا بد أن يمر بالتخلي عن كل السياسات التي أساءت للعلاقات.. بدءاً من احتلال الجزر الإماراتية، إلى وهم تصدير الثورة وسياسة مد النفوذ وتكوين الميليشيات، والتصرف بمنهج يتصور أن تدمير الآخرين هو أكبر دعم لحكم الأئمة ولتطلعاتهم الفارسية.

الرسالة المهمة الثانية، التي لا بد أن تكون واضحة لدى الجميع، وأولهم من يحاولون استهداف الخليج العربي بسوء، ربما لا تكون جديدة، لكن تأكيدها في هذه الظروف له معناه، ونعني هنا ما تم التأكيد عليه من أطراف عربية عديدة «وخاصة من مصر والأردن»، بأن أمن الخليج هو جزء أساسي من الأمن القومي العربي.

ولعلنا هنا أمام رسالة للجميع، بأن معظم الدول العربية قد دفعت أثماناً غالية لاختراق أمنها الوطني وضرب استقرارها، وأنها لم تكن فقط تحارب عصابات الإرهاب الإخواني- الداعشي، ولكنها وما زالت تواجه محاولات القوة غير العربية الطامعة في مد النفوذ أو احتلال الأرض، أو هدم الدول العربية ونهب ثرواتها. الاستجابة العربية للقمة الطارئة، هي تعبير حقيقي عن إحساس بالمخاطر التي تواجهنا، وعن إدراك بضرورة المواجهة، ولعل هذا كله تترجمه رسالة قد تكون أقرب للأمل حتى الآن، لكنها تشير إلى عمق التغيير في العالم العربي، وقوة الإحساس بالمخاطر التي تحيط به، والإشارة هنا إلى ما أعلنه أمين عام الجامعة العربية، من أن الكثير من الرؤساء طالبوا خلال القمة، بوضع استراتيجية واضحة للأمن القومي العربي.

ولعلنا نتذكر هنا، أنه قبل أعوام، كان هناك حكام في العالم العربي يتباهون بأنهم اكتشفوا أن العروبة خرافة (!!)، لنكتشف بعد ذلك أنهم كانوا يعدون الساحة لسقوط الدول العربية، وتوزيعها على الميليشيات الطائفية، وتحويلها إلى ملاذات للعصابات الإرهابية، وإلى ساحة لنفوذ القوة المعادية (!!)، ولعلنا نثق الآن أن التصدي الشجاع لهذا المخطط بكل أبعاده، هو الذي أوقف المؤامرة، وهو الذي جعل الحقائق تفرض نفسها، وأسقط الأقنعة عن الجميع، وجعل الجميع يوقنون أن مصير العالم العربي هو بأيدي أبنائه، وكما كان إنقاذ مصر من قبضة الفاشية الإخوانية، قضية مصير عربي، فإن التصدي للعدوان على الإمارات والسعودية، هو أيضاً قضية مصير عربي.

قد يكون الحديث عن استراتيجية عربية للأمن القومي حديث أمل، لكنه لا ينبع من فراغ، حين يتحدث رئيس مصر والعاهل الأردني في القمة بأن أمن الخليج العربي، هو جزء أساسي من أمن مصر والأردن، فإن الكل يعرف معنى الرسالة وصدقها، وحين يصبح القرار العربي هو أن طريق السلام والاستقرار الذي ننحاز له وندافع عنه، لا بد أن يمر باحترام الحقوق العربية، ووقف أي تدخل خارجي في الشأن العربي.. فإننا أمام رسالة جادة، يعرف معناها كل من يحاول العبث بأمن الخليج العربي، وتصل أصداؤها لكل من يتآمر على مستقبل الوطن العربي واستقراره.

* كاتب صحافي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات