صراع الحضارات.. باللون الأصفر

أثار تعليق مديرة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية الأمريكية كيرون سكينر، على هامش منتدى «أمن المستقبل-2019»، الذي أنهى مؤخراً أعماله في واشنطن، والذي وصفت فيه التنافس بين الصين والولايات المتحدة بأنه «صراع حاد بين الحضارات، وأن الولايات المتحدة لم تخض هذا الصراع من قبل، لأنه للمرة الأولى منافس أمريكا قوة عظمى ليست من العرق الأبيض»، هذا التصريح من الخطورة لدرجة أن الرئيس الصيني شين جين بينج رد بنفسه على هذا الأمر بالتأكيد على عدم وجود لصراع الحضارات، فهل الولايات المتحدة تستعد بالفعل لصراع حضارات طويل مع الصين؟ ومن المستفيد فعلياً حال نشوب هذا الصراع؟ وما انعكاس نشوب صراع الحضارات بين بكين وواشنطن على المنطقة العربية؟

البداية كانت عندما طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية الأمن القومي في أبريل عام 2018، واعتبر فيها أن الصين مع روسيا هما «منافستان» للولايات المتحدة في الفترة القادمة بعد أن اعتبرت واشنطن «الجماعات المتطرفة» هي الخطر على الأمن القومى الأمريكي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 وحتى أبريل 2018.

لكن رؤية الإدارة الأمريكية حتى ذلك الوقت كانت تذهب إلى الخلافات الجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة، فواشنطن وجدت مجموعة من المنغصات السياسية لبكين تبدأ من «عسكرة بحر الصين الجنوبي» الذي تمر من خلاله ثلث التجارة العالمية، والسعي لإجبار الصين على توقيع اتفاقية حول الصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة المدى، نهاية بدعم أمريكا لاستقلال تايوان رغم الاعتراف علناً بسياسة «الصين واحدة»، وتشجيع المظاهرات ضد بكين في هونغ كونغ، بل ودعم أمريكي لامتناهٍ لإقليم التبت وزعيمه الدلاي لاما، ناهيك عن الحرب التجارية التي تدور رحاها يومياً بين القطبين الكبيرين.

هذا التعليق من جانب كيرون سكينر ليست زلة لسان عابرة كما يعتقد البعض، لكنه يكشف حجم المخاوف الأمريكية من الصين الذي بلغ ناتجها القومي عام 2018 أكثر من 13 تريليون دولار، وهي تقترب بسرعة من الولايات المتحدة التي تنتج 20 تريليون دولار، وأصبحت بكين المنافس الأول لتكنولوجيا الاتصالات الأمريكية خاصة في تكنولوجيا الجيل الخامس.

كما أن بكين دشنت لأول مرة حاملة طائرات، وتستعد لإطلاق طائرة مدنية ستنافس «بوينغ» الأمريكية و«إيرباص» الأوروبية، بالإضافة للمخاوف الأمريكية من القدرات المتعاظمة للصين في المجال العسكري وبناء بحرية صينية توصف أمريكياً بأنها شديدة الخطورة على الوجود البحري الأمريكي في المحيطين الهادئ والهندي، لكن هل من مصلحة الولايات المتحدة الدخول في صراع حضارات مع الصين؟

المؤكد أن صراع الحضارات ليس في صالح واشنطن، بل يتفق مع المصالح الصينية بامتياز، لأن عدد سكان الولايات المتحدة 5% فقط من سكان العالم، لكنها تتواجد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً في كل بقعة من بقاع العالم، والنفوذ الأمريكي يقوم على أنها داعمة لقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي يجب أن يتمتع بها كل سكان المعمورة، وتحت هذا الشعار يكون الوجود الأمريكي أينما ذهبت.

لكن عندما ترفع أمريكا شعار «صراع الحضارات» هذا يعني أن قيماً ومبادئ أمريكية لا تتفق مع القيم الصينية والآسيوية، وهذا يخدم الصين بامتياز التي ترفع من مبدأ «الجدار الحضاري» الذي يقول إن القيم الأمريكية لا تتفق مع الموروثات الصينية والآسيوية، وهذا عملياً «يطرد أمريكا» من كل دول غرب المحيط الهادئ، ويجعل الصين أقرب للدول الآسيوية وليس أمريكا، إذاً ما هي الخيارات الأمريكية للتعامل مع الصين؟

هناك من يطرح في واشنطن الأخذ بنظرية زبيغينو بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر، والذي طالب الولايات المتحدة بالابتعاد عن الصراع مع الصين، وخلق خلافات بين القوى الكبرى الآسيوية، وليس الأخذ بنظرية صامويل هنتنغتون في صراع الحضارات، بمعنى أن الولايات المتحدة يكفيها تعميق وتغذية الخلافات بين الصين ومنافسيها الآسيويين، مثل دعم التقارب الروسي الهندي لمنافسة الصين، وتقديم سلاح لليابان حتى تشكل حالة توازن مع الصين، وتصعيد الحرب التجارية لتقليل النمو الصيني الذي وصل بالفعل لأدنى مستوى منذ عام 1990.

عربياً، ليس من مصلحة المنطقة نشوب صراع حضارات بين الصين والولايات المتحدة، فالدول العربية لها مصالح تجارية وسياسية كبيرة مع الطرفين، ونشوب صراع حضاري بين بكين وواشنطن يقلل من «حجم المناورة العربية» في الاستفادة من إمكانيات القطبين الكبيرين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات