الدولة والحق

كُتب الكثير عن أصل الدولة وفصلها. وليس من الحكمة تكرار ما قيل، غير أن التذكير بقول سبنسر بأن الدولة كالكائن الحي أمر مفيد لتأكيد فرضيتنا حول أن سلطة الدولة هي عقل الدولة الذي يفكر، وبمعزل عن الطريقة التي تفكر فيها السلطة.

وسلطة الدولة هي بالضرورة سلطة حاكمة لكل المجتمع أفراداً وجماعات، وكل سلطة هي سلطة إلزام. فالدولة، بهذا المعنى، لا تنفصل عن مبدأ الإلزام، إلزام المجتمع والأفراد بالقانون الذي ترتئيه سلطة الدولة. ويجب التذكير أن ليس كل سلطة هي سلطة دولة.

سلطة الدولة هي آمر وضعي، فيما سلطة المجتمع آمر أخلاقي. إذا كانت سلطة الدولة هي الآمر الوضعي، فسلطة الدولة هي عقل الدولة الذي يحدد قانون الإلزام الوضعي وسبل تحقيقه. ولهذا ليس باستطاعة أحد أن يفصل سلطة الدولة عن سلطة القانون، بمعزل عن طبيعة القانون ومن يخدم، في الدولة يرتبط القانون بالحق. فلا يمكن لدولة أن تحافظ على حقوق الأفراد، إلا إذا كانت هذه الحقوق منصوصاً عليها في القانون من جهة، ووجود قوة لنفاذ القانون. ونسارع إلى القول: إن انهيار الدول تاريخياً لهو نتيجة حتمية لتحوّل سلطة الدولة إلى سلطة اختراق القانون والإجهاز عليه، وهذا يعني تحوّلها إلى أدوات سلب للحق.

والمتأمل في جميع السلطات: التشريعية والقضائية والتنفيذية، فإنه يلاحظ بأن لها وظيفة واحدة فقط هي الحفاظ على الحق وإنفاذه بالقوة. سواء أكان الحق حق الأفراد أم حق الدولة في الحفاظ على سيادتها وأرضها وثرواتها واستقلالها.

وتأكيد هذا الحق في صورتيه حق الفرد وحق الدولة لا يتم إلا بوحدة الحقين معاً، وتعينهما في الواقع العملي معاً. فلا يمكن لدولة تفقد سيادتها على أرضها وثرواتها وأرضها أن تحافظ على حقوق أفرادها. وبالمقابل فإن الدولة التي تنال من حقوق أفرادها وتسلبهم حق حمايتهم القانونية، ليست أهلاً للحفاظ على حقها كدولة. ولهذا فإننا نرى بأن معيار الدولة القوية هو وحدة الحقين على الأرض، أي حق الأفراد وحق الدولة.

ولما كانت الدولة ظاهرة تاريخية يجري عليها قانون تغير الأحوال وتبدلها، فإن عقلها، أي سلطتها، ولا شك عرضة هو الآخر لتغير الأحوال.

فإذا كان لدينا مجتمع حديث في علاقاته الاقتصادية والمعرفية والأخلاقية، فمن الطبيعي أن يكون العقل -السلطة حديثاً، ومتطابقاً مع درجة حداثة المجتمع. وكل تفكير سياسي يخالف هذا المبدأ، ويعمل على مخالفته، فإنه يتحول إلى أداة تدمير للمجتمع وأداة إرهاب.

وتأسيساً على ما سبق من قول، فإن العرب تعيش خطرين مرتبطين بعقل السلطة.

الخطر الأول: عقل سلطة الاستبداد والطغيان القائمة على الغلبة السكرتارية الديكتاتورية، والتي أودت بالبلاد والعباد، فهذه السلطة هي سلطة الاعتداء على الحق من جهة، وسلطة قص جسد المجتمع ليكون على قدها.

الخطر الثاني: عقل سلطة الحركات الأصولية جميعها بلا استثناء، عنفية وغير عنفية، شيعية أو سنية. فهذه السلطة، لا تسعى لقص جسد المجتمع على قدها كما سلطة الاستبداد، بل القضاء على المجتمع الحاضر، وإعادته إلى زمان غارق في القدم، فدولة الخلافة ودولة ولي الفقيه والمهدي المنتظر ودولة الإمامة ما هي إلا دول سلطة العقل اللاعقلي. وبالتالي فهي تنطوي على قوة تدمير حضارية تساوي قوة التدمير لدى سلط الاستبداد العسكريتارية.

والضحية الأساسية لهذين الخطرين هي وحدة الحق والحرية. فلا يمكن تصور الحق بلا حرية، أو تصور الحرية بلا حق. وإذا كان مقصود سلطة الدولة تحقيق السعادة لمواطنيها، فسيكون الارتباط وطيداً وقوياً بين ثلاثة مفاهيم

الحق، الحرية، السعادة. هذه هي المنابع الأساسية لعقل سلطة الدولة إذا ما أرادت أن تفكر وفق آخر شكل من أشكال وعي الدولة.

* كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات