حتى يذهب الخائبون بخيبتهم

القرار الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بالعفو عن المواطن عبد الرحمن بن صبيح السويدي، المدان في قضية «التنظيم السري» لجماعة «الإخوان المسلمون»، يأتي مجسداً لمبادئ وقيم دولة الإمارات في العفو عن كل من أناب إلى الحق وتراجع عن الخطأ، منسجماً مع عام التسامح، وذلك بعد أن اكتشف السويدي سعي التنظيم لزعزعة أمن واستقرار البلاد، ليقرر نقض البيعة والخروج من التنظيم، والعودة إلى حضن الوطن.

عبدالرحمن السويدي، الذي صدر بحقه القرار، والذي شغل منصباً قيادياً في التنظيم السري لجماعة «الإخوان المسلمون» في الإمارات، كان قد أقر بخطئه، وصحح مسار فكره، وكشف عن خبايا التنظيم وتآمره على أمن دولة الإمارات ودول الخليج العربية، من خلال أحاديث تلفزيونية تم بثها خلال الفترة الماضية، قال فيها إن التنظيم السري في دولة الإمارات لم تكن له القدرة على التقرير في أي شأن من شؤونه دون الرجوع للتنظيم العالمي لجماعة «الإخوان المسلمون» الإرهابية، مشيراً إلى أن عمل التنظيم قائم على التآمر والتغرير بالشباب لتخريب أوطانهم.

كما روى قصة انضمامه إلى التنظيم وخباياه، من خلال الكتاب الذي أصدره، وأطلق عليه «كبنجارا». وقد استمد الكتاب اسمه من كلمة «KE PENJARA» التي تعني «خذوه إلى السجن» بلغة «الملايو» التي صاح بها ضابط شرطة في وجه المؤلف أثناء توقيفه والتحقيق معه في جزيرة «بَتَمْ» الإندونيسية، قبل أن يتم إطلاق سراحه في شهر ديسمبر من عام 2015 والعودة إلى أرض دولة الإمارات.

هذه الاعترافات، التي بُنِي عليها العفو الرئاسي، تأتي في سياق الصحوة الحقيقية التي عادت إلى عقول بعض أعضاء التنظيمات والجماعات التي تنسب نفسها إلى الإسلام، وتتخذ من التطرف والتشدد منهجاً وأسلوباً وشريعة، وآخرها الاعترافات التي أدلى بها الدكتور عائض القرني لقناة «روتانا خليجية» قبل أيام، واعتذر فيها، نيابة عن أعضاء حركة «الصحوة» السعودية، عما سببوه لأفراد المجتمع السعودي من أذى على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، نشرت خلالها الحركة التشدد، وأشاعت البلبلة والانقسام والعنف، وأخذت الناس إلى الوراء قروناً عدة.

وكذلك حاول التنظيم السري لجماعة «الإخوان المسلمون» في دولة الإمارات أن يفعل، مستغلاً استيلاء الجماعة في مصر على السلطة أثناء الفوضى التي أشاعها «الجحيم العربي» في المجتمع المصري، لكنه لم يجد البيئة الحاضنة التي تساعده على تنفيذ مخططه، ووجد أعيناً يقظة كانت تراقب تحركاته، ففشل فشلاً ذريعاً، وسقط قبل أن ينهض، والتف الشعب حول قيادته في محاربة التنظيم، فوقع من وقع من أعضائه في يد السلطات المختصة، وهرب عدد قليل من الأعضاء الذين أحسوا بالخطر مبكراً إلى خارج الدولة، حيث آوت بعضهم الدول الحاضنة للإرهاب وكل من ينتمي إليه، وفر عدد منهم إلى دول أخرى، كان منهم عبدالرحمن السويدي، الذي عاد إلى حضن الوطن معترفاً بخطئه، كاشفاً خبايا التنظيم ومؤامراته، فكان العفو عنه بمبادرة كريمة من القيادة الرشيدة.

وإذا كانت هذه الاعترافات قد لاقت استحساناً من قبل البعض، فإن البعض الآخر كان له موقف مغاير منها، حيث طالب بعضهم الدكتور عائض القرني بالخروج عن ثروته، وبيع بيته الذي وصفه بالقصر، وخاطبه بتهكم قائلاً: «يجب عليك أن تخرج عن ثروتك التي راكمَتها سنوات الضياع وحقبة الخداع.

نريدك أن تبيع قصرك ذا السبعة ملايين، وأسطول السيارات الفارهة، ومزرعتك المترامية الأطراف، ثم تستخرج مدخراتك من البنوك، وتحويشاتك المليونيّة لتضعها في مركز فكري، تقوم عليه جهة (غير مغرر بها!) لتنظيف واقع ملأته بالزيف، والضحك على الذقون».

وأضاف: «كيف تنام، يا فضيلة الشيخ، على سرير فاره اشتريته من إيراد شهرة صنعتَها بتراكم الأخطاء، وتزاحم العبث بعقول جيل كان يحسن الظن بنبرتك، ودمعتك، وكلمتك؟».

فهل هي دعوة أريد بها ترهيب الآخرين كي لا يحذوا حذو الدكتور عائض القرني، أم أنها حشرجة تخرج من صدور جماعة لم تعد تتصور أن زمن الخداع قد ولى، وأن الشعوب لم تعد تنطلي عليها مثل هذه الدعوات في زمن الإنترنت وانكشاف الحقائق بأبسط الوسائل وأيسرها توفراً في أيدي أبناء المجتمع؟

واضح من المقال الذي انتشر عبر وسائط التواصل الاجتماعي تحت عنوان «هذه كلمتنا يا شيخ عائض» أن المقصود هو إرهاب كل من يفكر في الاعتراف والاعتذار عن أخطائه السابقة، خاصة وأن المقال تم توقيعه باسم مستعار، هو «جيل الخيبة».

وهو توقيع تبدو في ظاهره الرحمة ويكمن في باطنه الخداع، لأن من وقّع به المقال أصر في نهايته على التمسك بتاريخه وذكرياته عن مرحلة «الصحوة» الآفلة، فقال في نهاية المقال مخاطباً الدكتور عائض: «اعتذر يا شيخ عن ماضيك كما تريد، وتنصّل عن خطابك كما تشاء، لكن نرجوك أن تدع ماضي غيرك لغيرك، وأجمل ذكريات الآخرين للآخرين». وبهذا وضحت الفكرة من المقال، كما اتضحت ملامح «جيل الخيبة» الذي كتبه.

لا نتصور أن يتخلى جيل تربى على مثل هذه الأفكار، وعاش حلماً استمر عقوداً من الزمن عن أفكاره وحلمه ببساطة.

بل نتوقع أن تستمر هذه الحشرجة الخارجة من حنجرة أفراد هذا الجيل المجروحة حتى يذهب الخائبون بخيبتهم، وينتكس المكابرون، ولا يبقى إلا الأنقياء الصالحون الذين يحبون أوطانهم، ويعملون من أجلها، وإليها يعودون بعد أن تزول الغشاوة عن أعينهم، ليجدوا عندها الحضن الدافيء الذي فيه ينعمون.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات