الشرق الأوسط العليل

الشرق الأوسط عليل. لا، هو عليل جداً. وسبب العلة ليس وهناً في القوة، أو مرضاً في الجسد، أو نقصاً في الموارد، أو عطباً في المهارات. العلة تكمن في قصر نظر العين وضيق ذات القلب وأحادية فكر العقل.

ليس بيننا من لم يدرس في المدرسة أن دول «الوطن» العربي تتمتع بحدود مشتركة متاخمة لبعضها البعض، وما يجمع بينها أكثر مما يفرق بينها، حيث تاريخ يكاد يكون متطابقاً حلوه ومره، وديانات ذات مرجعية واحدة، وثقافة يكمل أجزاؤها بعضها البعض، وعادات وتقاليد إن بدأت في الحديث عن إحداها في شرقه أكمل غربه قصتها، ولغة واحدة وإن تعددت لهجاتها لكن تبقى مفرداتها واحدة ومعانيها متشابهة.

تشابه دول «الوطن» العربي لدرجة التطابق لم يبهر البعض، بل يمكن القول إنه أزعج وأرّق وأغضب الكثيرين. والغريب أن من بين هؤلاء الكثيرين ناساً من أهلنا وعزوتنا. فأن تنزعج قوى دولية من تلاحم وترابط وتقارب إقليم هنا أو منطقة هناك، فهذا أمر وارد.

وأن يؤرق التلاحم العربي، ولو حتى الجغرافي والثقافي فقط، مصالح دولية، فهذا مفهوم. لكن الغريب حقاً هو أن يظهر بيننا من يساهم في شق الصف والدفع بمنطقة الشرق الأوسط إلى مزيد من الاعتلال والاضطراب.

وسواء أكانت أصداء قرع الطبول التي تتردد في الأجواء الخليجية هذه الأيام تشير إلى مواجهة عسكرية فعلية موشكة، أم بمثابة استعراض عضلات بغرض الترويع أو فرض الشروط أو توجيه دفة الأحداث لترجيح كفة على حساب أخرى، أم إنها استعراض قوى مقصود بين إيران وما تمثله ومن يدعمها من جهة وبين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، فربما تكون الأجواء إحدى الفرص الذهبية المهدرة ليتفكر كل منا فيما آلت إليه المنطقة العربية.

إيران التي نجحت في أن يكون لها وكلاء إقليميون ينفذون مخططاتها كل بحسب الدور المرسوم له تعيد ترتيب أوراقها هذه الآونة. ويتوقع بالتالي تغيرات تطرأ على أدوار الوكلاء.

وأمريكا – بغض النظر عن نواياها في التصعيد الحالي - تضع أنظارها على مصالح دون غيرها، وتؤجج الموقف أو تهدئه بحسب رؤاها فيما يختص بسياستها واقتصادها ومكانتها باعتبارها الدولة الأقوى في العالم رغم أنف الصين وروسيا وآخرين.

آخر ما يبتغيه العرب أن تكون بلدانهم «حديقة خلفية» للخلافات والاختلافات الدولية. وآخر ما يتمنونه لمكانتهم وسمعتهم أن يكونوا مفعولاً به طيلة الوقت. ويبدو أنه قد آن أوان إعادة النظر فيما فعلناه بأنفسنا، وفيما أهدرناه من طاقتنا، وفيما ضيعناه من مواردنا على مدار قرون وليس عقود.

وفي خضم الأزمات المتتالية من رياح ربيعية ممطرة لهباً، والصراعات الدولية المتبلورة في أراضينا ومياهنا، والتربصات الإقليمية والخيانات الداخلية الواضحة وضوح الشمس، تلوح ملامح نهضة وأمارات يقظة.

عقود مضت من الدق على الوتر الطائفي، حيث تفعيل لمبدأ «فرق تسد»، وجهود مضنية بُذِلت لإلباس السياسة رداءً دينياً والضحك على عقول وقلوب الملايين، وصمت مريب ساد بينما التعليم يتدهور والعلم والبحث توصد أبوابهما، والابتكار والإبداع يحاربان في عقر دارهما. لكن ها هي مصر والسعودية والإمارات تشمر عن سواعدها، وتنفض غبار عقود طويلة.

مصر نفضت غبار جماعة الإخوان الإرهابية وفي طريقها لدحض نصبهم واحتيالهم باسم الدين. وفي هذا الإطار تبني وتركض لتعويض ما فات من عقود الإهدار والإهمال. خطوات متواترة يتم اتخاذها على مدار الساعة لتحديث التعليم، وتطوير الصحة، وتشييد بنى تحتية هي جواز مرور إلى النهضة الاقتصادية.

الإمارات نهجت منذ سنوات طويلة طريق الرفاه وجودة الحياة. ومع الرفاه يأتي التسامح واحترام الآخر، وتطوير التعليم، وتجذير الهوية، والتأكيد على الانتماء فعلاً لا قولاً، والاستعداد لثورة رقمية بل واستباق ثورة صناعية رابعة، وتمكين النساء اللاتي أثبتن بالحجة والبرهان أن الدول لا تبنى إلا بأبنائها وبناتها.

والسعودية تقفز دون هوادة لتعويض ما فات. صحوة فكرية تجابه عقوداً من التشدد والانغلاق. اعتذارات جهرية ممن كانوا بالأمس القريب رموز التشدد، ترسل رسائل فورية للمتشككين والمتخوفين مفادها أن الصحوة الفكرية باقية وأن التجديد والتنقية والتطهير باتت سياسة دولة ومنهجاً فكرياً يعتد به.

بث الحياة في نصف المجتمع المتمثل في المرأة السعودية التي تحملت الكثير وعانت أكثر. مشروعات وخطط كبرى تضع السعودية على خرائط السياحة والاستثمار والثقافة.

لم يكن غريباً إذاً أن يقف هذا النموذج العربي الثلاثي في تحالف واحد ذي مكونات مختلفة لكن متناغمة ليكون نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه «الوطن» العربي القابع في الشرق الأوسط العليل. الشرق الأوسط في مفترق طرق.

فهو واقع بين تصور اسمه «الشرق الأوسط الجديد» أٌجهضت بعض ملامحه المخططة له سلفاً منذ عام 2011، ومحاولات إعادة إحياء هذا المخطط برياح «ربيعية» تحاول الهبوب بين وقت وآخر، وكر وفر بين قوى دولية عبر وكلاء إقليميين، وشد وجذب بين ضحايا تم تغييبهم بجماعات استلاب العقول من بوابة الدين وذلك ضمن مخططات عدة. وفي إمكان «الوطن» أن يقاوم وينهض، وفي إمكانه أيضاً أن يستسلم ويسقط. الاختيار لنا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات