جذور التخطيط الاستراتيجي

يروى أن إحدى أقدم الوثائق المكتوبة التي دلت على أن الإنسان القديم كان يستخدم الاستراتيجية قد ظهرت في الكتاب الصيني «فن الحرب» لمؤلفه سون تزو في القرن السادس قبل الميلاد. إذ اعتبر الكتاب مرجعاً شاملاً للتخطيط الاستراتيجي الذي استقت منه الجيوش، ولاحقاً الشركات، المبادئ والتكتيكات المهمة التي تحتاجها في حروبها ومنافساتها التجارية الضارية. ورغم أهمية هذا النص إلا أنه لم يترجم في أوروبا إلا قبل نحو مئتي عام وترجم إلى العربية قبل عقود بسيطة.

هذه الوثيقة قيل، إنها أثرت على الزعيم الفرنسي نابليون والجيش الألماني، وكذلك استخدمت بعض مبادئها في معركة عاصفة الصحراء لتحرير دولة الكويت من الغزو العراقي عام 1990. فالكتاب يتطرق إلى طرائق وضع الخطط، وشن الهجوم، والمناورات، واستخدام الطاقة، وتكنيكيات المواجهة، والتعامل مع عوامل الضعف والقوة في فريق العمل والخصم.

ومن يتأمل الكتاب يجد أن مبادئه وأفكاره تستخدم على أوسع نطاق في عالم الأعمال، وفي التخطيط الاستراتيجي عموماً. وهذا ما يجعلني حريصاً على تدريس مادة «الإدارة الاستراتيجية» في الجامعة، لقادة المستقبل. والاستراتيجية كلمة أصلها إغريقي وتعني الجيوش، لكنها موجودة أيضاً في الثقافة العربية والإسلامية، ومن صورها تقسيم الجيوش إلى ميمنة وميسرة ومقدمة.

وكذلك جبل الرماة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرماة المهرة بالتمركز فيه ليحموا ظهور المسلمين، لكنهم لم يلتزموا حرفياً بتلك الاستراتيجية، إذ غادروا الجبل فكان ذلك التصرف إحدى الثغرات التي استفاد منها خصومهم. وكان الآشوريون يستخدمون عنصري السرعة والمفاجأة في استراتيجياتهم، والعرب والمغول «الكر والفر» أحياناً، واستخدم الإنجليز والفرس الزحف والصف والمناورة. وعدم تقيد المؤسسات باستراتيجية يجعلها ريشة في مهب الريح.

وهذا ما يحدث في الحياة المعاصرة، حينما تكتشف شركة أن مصنعاً ما أو أحد رؤسائها التنفيذيين في إحدى القارات لم يعد يلتزم بالاستراتيجية المرسومة، المبنية على معطيات مالية وإدارية وفنية. فيصبح ذلك التصرف سبباً في أن ينال منهم خصومهم في السيطرة على السوق أو اقتطاع جزء من حصة الشركة السوقية.

وكم من شركة خرجت من سباق المنافسة، لأنها لم تستعد لحمى التنافس، منها مثلاً شركة كوداك التي تبيع أفلام الكاميرات التقليدية التي تتطلب «تحميضاً» في مختبرات معتمة قبل أن تباغتها الشركات المنافسة في كاميرات ديجيتال. وكذلك الحال مع جهاز نوكيا الرائد في زمانه قبل أن يسحب من تحته البساط هاتف ستيف جوبز «الأيفون» وأجهزته اللوحية التي خلقت قطاعات هائلة من الأجهزة حتى دخلت على خط المنافسة معها هواوي الصينية.

خلاصة القول، إنك لن تستطيع أن تصل إلى مبتغاك من دون خطة. وكلما كبرت المؤسسة وترامت أطرافها زادت الحاجة إلى استراتيجية مكتوبة بعناية. والاستراتيجية ليس نقشاً مقدساً في حجر، بل هي نص قابل للتغير الدوري بما يتناسب مع معطيات السوق أو الأجواء المحيطة. ولا يمكن أن نفرض استراتيجية غير واقعية فرضاً على المستويات الدنيا من العاملين. ولذا كان من الأهمية بمكان أن تصغي الإدارة العليا جيداً إلى ملاحظات العاملين في وظائف دنيوية حتى يصل الجميع إلى صيغة «توافقية» مشتركة.

أن تخطط خير من ألا تخطط. وإذا كانت الاستراتيجية مهمة في سالف الأزمان فهي أكثر أهمية في عصر التغير التكنولوجي والاقتصادي المتسارع. ولعلها تعبر بنا إلى الضفة المقابلة بأفضل وأكفأ الوسائل الممكنة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات